استعدوا لحربه أو صده عنه ، فلم تتحقق رؤياه في الظاهر ، ولكنه صلى الله عليه وآله دخله فاتحا في السنين اللاحقة ، بسبب ذلك الصلح الذي أبرمه في تلك السنة .
المسلمون من جهتهم فهموا رؤيا الرسول صلى الله عليه وآله على أنها تؤكد دخول مكة في تلك السنة ، ولكنه صلى الله عليه وآله مع علمه بالواقع جعلها غامضة ، فلم يبيِّن لهم بأن النصر لا يأتيهم في ذلك العام ، لأنه لو أخبرهم ربما تقاعسوا عن الجهاد ، وإذ لم يخبرهم الرسول بواقع الأمر سارعوا نحو مكة يحدوهم أمل الانتصار ، وانتهى الأمر بهم إلى صلح الحديبية الذي كان تمهيدا لفتح مكة المكرمة ، ولو أن المسلمين دخلوا المسجد الحرام في ذلك العام فلربما فاتهم فتحها ، وبالتالي فتح الجزيرة العربية ، وانتشار الإسلام في الأرض .
إن الهدف القريب الذي توخَّاه المسلمون بعد إخبار الرسول لهم برؤياه هو دخول مكة ، ولم يشأ الله أن يتحقق ذلك تمهيدا لتحقيق الهدف الأكبر وهو فتح مكة ، والعبرة من ذلك أن لا يستعجل المسلمون للنتائج ، وإنما ينبغي الانتظار ريثما تنضج الظروف .
بينات من الآيات :
[ 1 ] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ماذا تعني كلمة الفتح في هذه الآية ؟
قال بعض المفسرين : [ إن الآية وإن كانت نزلت قبل فتح مكة إلا أنها تعنيه وتؤكده وتبشر المؤمنين به ] . وقال آخرون : [ إنها تنصرف إلى فتح خيبر ] . ولكن الآية تدل كما يبدو على الفتح السياسي والثقافي لمكة الذي سبق فتحها العسكري ، فالفتح يكمن في الظروف المستجدة الملائمة للدعوة والمكتسبات المتاحة التي توالدت وتوالت وحطمت السدود السياسية والثقافية والنفسية . وقد تجسَّد ذلك في صلح الحديبية الذي مهَّد لفتحها عسكريا ، ومنه انطلق انتصار الإسلام وانتشاره في الجزيرة العربية ، ذلك لأن أية حركة ناشئة - بالذات تلك التي تعاكس أفكار المجتمع وعاداته - تسعى نحو اكتساب الاعتراف من المجتمع المحيط حتى تتحرك بحرية في التوسعة والانطلاق ، وحركة الإسلام - فيما يتعلق بالجانب الظاهري منها وليس الغيبي - كانت في البدء حركة ناشزة عند المشركين حيث كان المجتمع الجاهلي يَعُدُّون المسلمين صابئة لأنهم في نظرهم متمردون على العادات والتقاليد ، فحركتهم إذن حركة خارجة عن الشرعية .
والسؤال : متى تم الاعتراف بحركة الرسول في ذلك المجتمع ؟ .
لقد تمَّ ذلك في صلح الحديبية ، حيث اعترفت من خلاله قريش التي كانت سيدة على مكة وسائر العرب بالرسول وأتباعه ورسالته كأمر واقع ، وقد تأكد هذا الاعتراف بوضوح
من هدى القرآن — صفحة 258
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٨