من شاء أن يكون صادقا في المواقف الصعبة ، مستعدّاً لتحمل المسؤوليات الجسام ، فعليه أن يتدرَّج في تربية نفسه شيئا فشيئا ، فأولا يعوِّدها على تأدية الأعمال الصغيرة بصدق وجدية ، ثم الأكبر منها فالأكبر ، حتى يرتقي إلى مستوى عال فيؤدي الأعمال الكبيرة بكل صدق ورضى .
[ 22 ] إنهم يهربون من القتال ، وإنما فرض الله القتال من أجل إصلاح الأرض ، وتكريس قيم المحبة ، فمن يتولَّ عنه فسوف يقاتل ، ولكن في صفوف المنافقين ومن أجل نشر الفساد في الأرض وقطع الأرحام ومخالفة قيم الخير والفضيلة . أوَلَيست الحياة صراعا ، ولا مفر منه ، ومن لم يقدم على اختيار جبهة الخير انساق إلى جبهة الشر ، ولا مسافة بين الحق والباطل ، فمن لم ينفعه الحق أضره الباطل .
أولئك الذين يزعمون أن القتال شر مستطير ، وأنهم دعاة السلام ، تراهم وقود معارك الباطل مقابل الحق . ألم تقرأ في التاريخ : كيف أن أهل الكوفة رفضوا القتال مع الإمام الحسين عليه السلام لمواجهة الأمويين باسم الخروج من الفتنة ، ثم استخدمهم يزيد في قتال السبط الشهيد كُرْهاً .
إن لحكم القرآن ثمنا من لم يدفعه راضيا ابتلي بحكم الطاغوت ودفع أضعاف ذلك الثمن مكرها فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ كلمة عسى تدل على التوقع . . فهذه هي العاقبة المتوقعة لمن يتولِّى عن الحق !
ولأن الحديث في هذه السورة عن الحكم الإلهي والولاية الشرعية وتحمل مسؤولياتها ، وفي طليعتها الدفاع عن الدين ، فإن معنى التولي هنا الانسحاب من ساحة المواجهة وترك القيادة الرشيدة وحدها في الميدان ، ولذلك فسر البعض هذه الكلمة ، بأنه بمعنى الولاية أي إذا أصبحتم حكاما ، وأوَّله البعض في بني أمية استنادا إلى ما رواه عبد الله بن مغفل قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ . . . . . ثم قال : هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألا يفسدوا في الأرض ولا يقطعوا أرحامهم « 1 » .
والفساد في الأرض ، هو النتيجة الطبيعية للنظام الذي لا يستلهم من الدين أحكامه . . فيفسد الاقتصاد والاجتماع كما يفسد الأخلاق والآداب ومن أبرز مظاهر إفساده تفريق الكلمة ، وإشاعة الفساد في الخلق ، الذي يؤدي إلى تفكك الأسرة وقطع الأرحام . ويبدو أن قطع الرحم هو آخر عروة ينقض من عرى المجتمع ، لأن الفساد إذا بلغ الأسرة فقد أتى على آخر قلعة من قلاع الاستقلال عند البشر .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 16 ص 245 .