قلوبهم من مرض ، ذلك لأن النفاق - في القلب وكحالة فردية - والخوف الذي يحوِّل الإنسان عن قتال الأعداء ، جرم كبير وضلالة بعيدة ، لأنه يجر صاحبه إلى الاستسلام للطاغوت وفقدان استقلاله أمام الغزاة ، والتنازل عن قيمه وشخصيته خشية بطش الجبارين وكل من ارتد عن الدين أو أتبع الظالمين انساق إلى مصيره الأسود بسبب تلك الأمراض الخطيرة التي تمكنت من قلبه .
[ 21 ] بينما لو أطاعوا أوامر الرسالة ، واستقبلوها برضى ، وطهروا قلوبهم من الأمراض الفتاكة ، وصدقوا في الظروف الصعبة ، لكانوا يعيشون العزة والكرامة والاستقلال طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ عزم الأمر ، يعني بلغ الموقف حدّاً يستدعي الهزيمة والإرادة النافذة ، وقال البعض معناه : جد القتال .
ونستوحي من هذه الآية بصيرتين :
الأولى : إن قول المعروف عند صدور أوامر الرسالة وبرامجها بعد التسليم والطاعة مؤشر واضح على تفاعل الإنسان مع الرسالة ، وصدق انتمائه لها ، وخلوِ قلبه من حسكة النفاق وأي مرض آخر ، كالجهل والجبن والتكبر ، لأن هذه الأمراض تجعل الإنسان يعيِش حالة التقزز والاشمئزاز والضجر مما يظهر على فلتات لسانه ، فلا يقول قولا معروفا عند المواقف الصعبة .
وبالرغم من أن المنافقين قد يعيشون هذه الحالة ، ولكن الظرف قد يستدعي منهم أن يكتموها ، بيد أنه عندما يعزم الأمر لا يمكنهم كتمان واقعهم .
إن مرضى القلوب هم الذين يؤدون الطاعات ، ويعملون الصالحات على كره ، فلذلك تراهم يرفقونها بالحديث السلبي معها ، ولذلك تراهم لا يقضون صلاتهم إلا ويتبعونها بالقول تضجرا ، كم هي ثقيلة هذه الصلاة ؟ ! ولا ينهون صوم يوم من أيام رمضان إلا ويقولون كم هو مرهق هذا الصيام ؟ ! ولا يزكون ويخمسون إلا ويضجون : لقد أفقرنا هذا الدين . . في حين كان عليهم أن يتحسَّسوا هذه النعم الجسام ، ويحمدوا الله عزَّ وجلَّ على أن وفقهم لها ، ولكنه الجهل والتكبر والنفاق وحبّ الدنيا كل أولئك لا يدع الإنسان يعرف قيمة الرسالة ، ونفعها العميم للإنسان .
الثانية : نستوحي من قوله تعالى : طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أن علينا أن ننفذ الأوامر الرسالية ونسعى جاهدين من أجل تحقيقها دون نقاش أو تبرير أو جدال أو معارضة ، لأنها صادرة من الله تبارك وتعالى . والواجب علينا أن نروِّض أنفسنا لتستجيب ونتفاعل مع الأحكام الإلهية . ولكن كيف ؟
من هدى القرآن — صفحة 237
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٧