قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلّ :
أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ] « 1 » .
[ 25 ] ولأن هذه الفئة تركت أمراضها القلبية تتراكم ، فقضت على بقايا نور الإيمان في أنفسهم ، كانت عاقبة أمرهم الردة عن القيادة الشرعية ، ونم ثَمَّ عن الدين .
وكثير أولئك الذين ارتدوا عن الدِّين بسبب بعض هذه الأمراض ، ونحن نشير إلى بعضهم لنعتبر بهم . فأوَّلهم قابيل الذي طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ، وكان مرضه الحسد إذ تقبل قربان أخيه ولم يتقبل منه ، وكذلك كان مرض عابد بني إسرائيل المعروف ب ) بلعم باعورا ) الذي بلغ درجة عالية من الإيمان والتقوى حتى استحق أن يُعطى الاسم الأعظم ، وكان يدعو به فيستجيب الله له ، ولكنه حين اختار الله موسى عليه السلام مالَ إلى فرعون وارتضى لنفسه أن يكون بمثابة الكلب ، كما قال تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ ( 175 ) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [ الأعراف : 175 - 176 ] .
أما الزبير بن العوام الذي كان له تاريخ نضالي حافل ، وملاحم بطولية رائعة ، ولقد كان يكشف الكرب بسيفه عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ، إنه الآخر لم يستقم ، إذ أسرته الدنيا بمناصبها الحقيرة وزينتها الفانية . . فدفعه حب الرئاسة إلى محاربة إمام عصره أمير المؤمنين علي عليه السلام .
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ وتراجعوا عن العهود والمواثيق التي ألزموا أنفسهم بها تجاه الرسول ألا يخونوه ، وألا يخذلوه عند لقاء العدو .
مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى وعلموا أن الرسول على حق ، ولكنهم جبنوا عن مواجهة الأعداء ، وبحثوا عن السلطة والثروة .
الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ رغبهم في ذلك عندما زين لهم الدنيا وغرهم بما فيها من فتنة ظاهرة ، وكلمة سول من السؤل أي الحاجة ، وكأن الشيطان جعلهم حريصين على هذه الحاجة ، وأثار فيهم الرغبة فيها .
وَأَمْلَى لَهُمْ قالوا : الكلمة من الأمل بمعنى منّاهم بطول الأمل ، فأنساهم الحساب .
[ 26 ] لقد رغبوا في البقاء لينعموا بالرئاسة ، كما أنَّهم انضموا إلى ركب الرسالة من أجلها . لقد كانت حساباتهم تدعوهم إلى مواكبة هذا التيار الاجتماعي الصاعد ليرثوا مغانمه ، فما دام
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 5 ص 203 .