تستقبل زخات الغيث المباركة ، فإذا نزلت عليهم سورة وعوها واستعدوا لتنفيذ أحكامها ، وإذا لم تزل تراهم يتساءلون أفلا حبينا بها ، أفلا قرت أعيننا بالنظر إلى آيات جديدة ؟ !
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ وذلك لسببين :
أولًا : لما يغمر قلوبهم من اللهفة إليها ، ولما تنطوي جوانحهم من العزم الشديد للعمل بكل ما فيها من أوامر .
ثانياً : ليقطعوا جدل وتشويش الذين في قلوبهم مرض كما مرّ آنفا حيث يقولون لما يستمعون للرسول مَاذَا قَالَ آنِفاً ، بيد أن حقيقة المشكلة لا تكمن في إحكام البيان بحيث لا يحتمل أي جدل فاسد وإنما في النفس ، وقد شخَّصت الآيات الداء والعلاج في تقابل التقوى ومرض القلب ، فالمتقون لا يقعون في التأولات الفاسدة والجدل الفارغ لتبرير الهروب من المسؤولية : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ بينما مرضى القلوب هؤلاء : الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فالذين في قلوبهم مرض ، فإنهم على عكس المؤمنين تماما ، إذ يتخوفون أن تنزل عليهم أوامر جديدة ، تأمرهم بالقتال مع العدو ، لأنهم لا يملكون الاستعداد الكافي لتطبيق الأحكام .
فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ لا يمكن الجدال لأنها واضحة لا تحتمل التأويل وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ آنئذ تبلى حقائق الرجال رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ من نفاق ، أو شك ، أو جبن يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ وهكذا يمتاز المؤمنون عن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض ، لأن المؤمنين يثبتون في مختلف الظروف ، بينما هؤلاء في حالة من الرعب تشبه حالة المحتضر الذي يشخص ببصره فزعا ، وهو فاقد لقدرة التركيز وربما قال ربنا : الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ولم يقل : ( الذين نافقوا ) لأن الخط المنحرف لا يقتصر على المنافقين ، بل يضم الكثير ممن يزعمون أنهم مؤمنون ولكن وجود المرض فيهم يجرهم إلى خط النفاق ، وعلى أقل تقدير سيكونون التيار الذي يتكئ عليه عصبة النفاق في التنفذ داخل المجتمع ، ويتوضح لنا من بعض الآيات أن الذين في قلوبهم مرض هم طائفة أخرى غير المنافقين ، يقول عزَّ وجلَّ : * لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [ الأحزاب : 60 ] . يهدِّد القرآن هؤلاء ، ويوعدهم العاقبة السوأى قائلا : فَأَوْلَى لَهُمْ تستخدم هذه الكلمة في اللعن ، واختلفوا في معناها الدقيق ، هل هو بمعنى : يليه مكروه ، أو لهم الويل أو الموت أولى لهم ، ويبدو أن هذه الكلمة تأتي بعد بيان سيئة من سيئاتهم فعلا أو قولا فيكون معناها إنهم يستحقون تلك السيئة وهم أحق بها ، وأولى من غيرهم ، وفي المقام يكون المعنى أن هذه العاقبة السيئة التي انتهوا إليها من رفضهم لسورة القتال يستحقونها لما كان في
من هدى القرآن — صفحة 236
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٣٦