وقد قال ربنا سبحانه - وهو يبيِّن الهدف الأول - : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [ آل عمران : 142 ] ، وقال تعالى - وهو يشير إلى الهدف الآخر - : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [ آل عمران : 141 ] .
وإذا كانت الحرب بوتقة تطهِّر المجتمع الإسلامي من العناصر الضعيفة والمنافقة ، كما تطهر قلب كل من يخوضها من أدرانه ، فإن علينا أن نتخذ منها مدرسة للبطولة والإيثار ، لا ننشد منها فخرا ولا نصرا ، وإنما نسعى لتزكية أنفسنا فيها ، وتربيتها على الشجاعة والفداء ، ونتبع في ذلك الإمام عليّاً عليه السلام حيث يقول :
[ وَاللهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ العَرَبُ عَلَى قِتَالِي لَمَا وَلَّيْتُ عَنْهَا ]
« 1 » ، ويقول وهو يوصي نجله محمد بن الحنفية حين يدفع به في أتون المعركة :
[ تَزُولُ الجِبَالُ ولَاتَزُلْ عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ أَعِرِ اللهَ جُمْجُمَتَكَ تِدْ فِي الأَرْضِ قَدَمَكَ وارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى القَوْمِ وغُضَّ بَصَرَكَ واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ ]
« 2 » .
وإذا كان الهدف الأساس من الحرب ابتلاء المؤمنين فإن النصر من عند الله ، ينزله عليهم متى تمت حكمة الابتلاء ، وعلم منهم الصبر والاستقامة ، سواء توافرت عوامل النصر المادية ، أم لا ، ومعرفة هذه الحقيقة تزيد الجيش الإسلامي بطولة واستبسالا وصبرا واستقامة .
وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ لأنهم مضوا على النهج الإلهي ، واستشهدوا في سبيل الله ، فإن الله الذي لا تضيع عنده الودائع ، الله الذي له ملك السماوات والأرض . إنه سبحانه يحفظ أعمالهم ، ويؤيد بقدرته القضية التي ضحَّوا من أجلها ، وهذا هو أهم ما ينشده العاملون في سبيل الله . ونستوحي من هذه الآية أن الدم المقدَّس الذي يرخصه صاحبه في سبيل الله هو السياج المنيع لقيم الرسالة .
وربما أشار إلى ذلك الحديث المأثور عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله في فضل الجهاد في سبيل الله :
[ لِلْجَنَّةِ بَابٌ يُقَالُ لَهُ : بَابُ المُجَاهِدِينَ يَمْضُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ وهُمْ مُتَقَلِّدُونَ بِسُيُوفِهِمْ والجَمْعُ فِي المَوْقِفِ والمَلَائِكَةُ تُرَحِّبُ بِهِمْ . ثُمَّ قَالَ : فَمَنْ تَرَكَ الجِهَادَ أَلْبَسَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذُلًّا وفَقْراً فِي مَعِيشَتِهِ ومَحْقاً فِي دِينِهِ إِنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أَغْنَى أُمَّتِي بِسَنَابِكِ خَيْلِهَا ومَرَاكِزِ رِمَاحِهَا ]
« 3 » .
[ 5 ] الأمة التي تجاهد في سبيل الله لا تضيع جهودها ، ولا تضلُّ أعمالها . إنها سوف تحقق
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : كتاب : 45 .
( 2 ) مستدرك الوسائل : ج 11 ص 86 .
( 3 ) الكافي : ج 5 ص 2 .