تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ قالوا : [ البال هو الحال أو الشأن ، وأمور الإنسان ، وأهم أحواله ، وقال بعضهم : هو القلب ، من قولهم : ما يخطر ببالي ] « 1 » . وإصلاح البال : رخاء الحال بما يرضي القلب . ويبدو أن ذلك يتعلق بالأعمال الصالحة التي أدَّوها ضمن إطار الإيمان فأثمرت صلاحا في أنفسهم وما يتعلق بها من شؤون ، لأنها كانت في الطريق السليم ، ولو كانت في سبيل الكفر فإنها لن تثمر بل كان الله يضلها . [ 3 ] كيف نقيِّم الناس ، وعلى أي مقياس ، هل بلغتهم أو وطنهم أو أنسابهم أو بقدر ما يملكون من مال وجاه وسلطة ؟ كلا . . لأن كل ذلك جاهلية وتخلف ، فهل تصادق كل من يتحدث العربية ولو كان خائنا شقيا ؟ وأيهما أفضل لك من يسكن بلادا بعيدة ويسدي إليك خدمة أو جارك السيئ الذي دائما يؤذيك ؟ وهل هما سواء عندك ابن عمك الذي يأكل أموالك بالباطل والقاضي الذي يرد حقك إليك ؟ وماذا ينفعك غنى الثري الذي يمتص دماء المحرومين ؟ وماذا يضرك فقر البائس الذي يعيش إلى جنبك بوداعة وطيبة ؟ العقل يحكم بفساد تلك المقاييس جميعا ، وإنما المقياس هو الحق ، فمن اتبعه صاحبناه ، ومن خالفه عاديناه ، أنَّى كانت سائر الوشائج بيننا وبينه . وبما أن الكفار اتبعوا الباطل بما يحمل من أخطار عليهم وعلى الإنسانية فإننا نعاديهم ، حتى ولو كانوا ينطقون بلغتنا ، ويسكنون وطننا ، أو كانوا من ذوي أقاربنا . بينما المؤمنون الذين يتبعون الحق نستريح إليهم ، لأن الحق ينفعنا جميعا ، حتى ولو كانوا من الأبعدين لغة ، ووطنا ، وقرابة . ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ والعقل يعرف الحق ، ولكن ليس بذلك الوضوح الذي يجعله مطمئنا بكل تفاصيله ، بينما الوحي الذي يهدينا إليه العقل يفصل مجملات العقل تفصيلا مبينا . العقل يحكم - مثلا - بحسن العدل ، ولكنه قد يتشابه عليه العدل في قضية فيقف حائرا ، وهنا يفصل الوحي حكم العدل فيها بما يستثيره من دفائن العقل ، ويكشفه من خبايا العلم ، وما يبيِّنه من أحكام الشرع . كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ المثال : مجموعة الصفات التي يجسدها الشخص ، فإذا قلنا : مثال فلان ، أي جملة نعوته الحسنة أو السيئة ، مما تستصحب على من يشابهه فيها ، وهي في
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 16 ص 224 .