تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
مقابل الذات ، والذات لا تهمنا ، لأن الناس في الذات لا يختلفون ، إنما يهمنا الصفات التي تحيط بهذه الذات ، وهي مثالهم . وحين يعطينا القرآن مقياس الحق والباطل فإنه يبيِّن لنا أمثال الناس ، وجملة صفاتهم ، التي بها نستطيع أن نعرف كيف نتصرف مع هذا وذاك ، فمن اتبع الحق واليناه ، لأنه مثل حسن ، ومن اتبع الباطل عاديناه ، لأنه مثل سئ . [ 4 ] ولأن هنالك مثالين : مثال الحق المتجسد في المؤمنين ، ومثال الباطل المتجسد في الكفار ، فإن الصراع قائم بينهما ، ويتحول إلى قتال ، وعلى المؤمنين أن يستعدوا نفسيا للمواجهة . فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ اللقاء هنا هو لقاء المواجهة الدامية ، ولا يعني - فيما يبدو من سياق الكلمة في سائر الآيات - أي لقاء بين مؤمن وكافر . وضرب الرِّقاب : تعبير عن أشد أنواع القتل وأوضح صوره ، وبه يتجلى الغضب المقدس الذي تمتلئ به روح المؤمن المخلص للحق . وقالوا : معناه : [ اضربوا ضرب الرقاب ] . ولعل الكلمة توحي بضرورة حسم المعركة بأقوى الأسلحة ، مما تُسَمَّى بالحرب الصاعقة التي عادة تقلل من الخسائر في الطرفين ، بعكس حرب الاستنزاف التي قد تكون وبالا على الطرفين . ولعل الحرب الصاعقة هي المرادة أيضا من آيات أخرى في الكتاب ، كقوله سبحانه : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ [ الأنفال : 57 ] . حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ قالوا : الثخن بمعنى الغلظة ، ويطلق على الغلبة ، ونقل عن لسان العرب : أثخن إذا غلب وقهر ، وقال البعض : أنه بمعنى تراكم القتلى والجرحى فوق الأرض . فَشُدُّوا الْوَثَاقَ أي قيدِّوهم بحبل أو ما أشبه بشدة كناية عن أسرهم . ويستوحى من الآية أن مرحلة أخذ الأسرى متأخرة عن مرحلة القتال ، فلا ينبغي أن ينشغل الجيش قبل قهر عدوه بالأسرى . فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً هنالك يختار القائد بين أن يَمُنَّ على الأسير بإطلاق سراحه ، حين لا يرى في إبقائه مصلحة أو يرى في إطلاق سراحه مصلحة هامة للمسلمين ، وبين أن يقبل الفدية التي قد تكون قدرا من المال يفرض على العدو بإزاء كل أسير ، وقد تكون بعض