والأرض بالحق ، فكيف يحقق من ينشد الباطل هدفه ؟ .
لقد جاهد المترفون من النصارى أكثر من ألف عام ليثبتوا للناس أن الجنس لعنة ، فهل استطاعوا تمرير ذلك ؟ وحاول الماديون أن يلغوا الجانب الروحي في الإنسان ، فهل قدروا ؟ لماذا فشل هؤلاء وأولئك ؟ لأنهم ساروا في الاتجاه المعاكس لسنن الله ، لأن الله أودع في البشر الجنس ، كما فطره على الإيمان ، فهو لا يستطيع أن يتجرد عن المادة كليا ولا عن المعنويات ، فذهبت جهود القوم سدى ، لأنها رامت الباطل ، وهكذا قاوم الجاهليون على امتداد الزمن بعثة الرسل فأضل الله أعمالهم ، لأنها لم تكن في الإطار الصحيح .
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ فلأنهم كفروا فقد أضل الله أعمالهم التي كانت ظاهرة الصلاح ، فحتى لو سقوا الحاج ، وعمروا المسجد الحرام ، فإنها لم تكن نافعة ، لأنها كما البناء الذي زلزل أساسه أو الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض .
فمن كفر بالله يكفر بقيم الرسالات ، بالحرية والاستقلال والعدالة والمساواة والمنهجية العلمية و . . ، وهذه القيم أساس كل عمل صالح .
وهكذا لا ينبغي أن نغترَّ بظاهر التقدم الذي يحرزه هذا الفريق من الناس ، لأنه ينطوي على تخلف خفي ، ولا يزال بنيانهم على شفا جرف هار .
أرأيت كيف وظَّفوا تقدُّمهم في انتهاب ثروات الشعوب ، واستعباد المحرومين ، والعلو في الأرض بغير الحق ؟ أرأيت كيف أشعلوا نار الحروب ، ودمروا الديار لكي يحركوا عجلة اقتصادهم ببيع الأسلحة ؟ ألم تر كيف تسابقوا في صناعة اللعنة ، وملؤوا ترساناتهم بأدوات التدمير ذات الشر المستطير ؟ أليس ذلك شاهدا كافيا على تلك الحقيقة ، أن أعمالهم قد ضلت عن طريقها ، ولم تحقق أهدافا في رفاه الإنسانية وخيرها ؟ كما أنهم حين صدُّوا عن سبيل الله ، وقاوموا الرسالات الإلهية وامتداداتها ، فشلوا وذهبت مساعيهم سدى ، وهل ينفع سعي من أراد حجب ضوء الشمس بيده ؟ !
[ 2 ] أما الذين آمنوا بالله ، وآمنوا بكل تلك السنن الماضية في الكائنات والقيم المنبعثة منها ، فإنهم اختاروا الإطار المناسب لعملهم ، ومن ثم وفرَّوا الضمانة المناسبة لبقاء أعمالهم ، كمن يبني في الصحراء سورا منيعا يحفظ أرضه من الرياح السافيات والعواصف الهوج ثم يزرع ما يشاء .
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ضمن إطار الإيمان ، وعلى أساسه ، وانطلاقا من قيمه
من هدى القرآن — صفحة 207
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠٧