تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إن صلاح الذرية يكرِّس مكاسب هذا الجيل الحضارية ، ويبقى لهم الذكر الحسن ، ويكون بمثابة صدقة جارية تغدق عليهم الثواب وهم مستريحون في أجداثهم ، ولعله لهذه الأسباب جاء التعبير القرآني لِي ، بلى ، إن فائدة صلاح الذرية لي قبل غيري . إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ فخلال رحلة العمر ذات الأربعين ربيعا أزاغته الذنوب عن صراط ربه العزيز الحميد ، وقد ذهبت الآن غشاوة السهو عنه ، كما تلاشت لذَّات الشهوات ، وأزالت طوارق الزمن سكرة الشباب ، واكتمل عقله ، وعرف أن طريق الفلاح ينحصر في التوبة إلى الله عز وجل . لقد قرأت أخيرا في مجلة غربية واسعة الانتشار مقالا يدعو من بلغ الأربعين ألَّا يحاول تغيير عاداته ، ويبدو أن الكاتب كان يعتمد في ذلك على أن الإنسان في مثل هذا الوقت لا يملك إرادة التغيير ، وهذا ينسجم مع النظرة المادية إلى الإنسان ، وتلخيص دوافعه في الشهوات الدنيوية التي تتراجع عند سن الأربعين ويتلاشى بعضها مما لا يجد دافعا نحو التغيير ، بينما البصيرة القرآنية تدعونا إلى التوبة عند سن الأربعين ، حيث يكتمل العقل ، وتلتهب جذوة الضمير ، وتتهيأ فرصة الإصلاح ، وتتنامى دواعي الخير وبواعث الفضيلة فيه . وهكذا يكون عقد الأربعين أفضل مناسبة للثورة الذاتية ، بالتوبة إلى الله ، والتسليم للشريعة التي تخاطب العقل ، وتذكي دواعي السعي للآخرة التي يكون صاحب الأربعين أقرب إليها من غيره . وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ فإذا دعتني سكرة الشباب إلى التمرد رَدَحاً من الزمن فها أنا ذا اليوم أعترف بالذنب ، وأخضع لك يا ربِّ خضوعا تاما ، وأفتش في صفحات تاريخي ، فإذا وجدت فاحشة هنا وخطيئة هناك ، وظلما للناس ، وغصبا للحقوق ، وانحرافا في العقيدة وزيفا في الثقافة ، وعادات سيئة وما أشبه ، فإني أسعى لتغييرها والتخلص من وزرها وتبعاتها بتوفيقك . أوَلَيس كل ذنب وزيغ وانحراف يخلف أثره في قلب الإنسان ، دعنا إذا نتخلص منه بالتوبة ، لنطهر القلب من أدرانه ، والسلوك من سيئات العادات ، ونترك جانبا الاستخفاف بالقيم ، والتهاون بالواجبات والسهو عن الصلاة والزكاة و . . [ 16 ] وبالرغم من ابتعاد هذا الفريق من الناس حينا عن الصراط السوَّي فإن توبتهم مقبولة ، ويتقبل الله حسناتهم ، ويتجاوز عن سيئاتهم ، ويدخلهم الجنة مع الصالحين من عباده . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وإنما يتقبل الله من المتقين ، وقد يتقبل من
من هدى القرآن — صفحة 177 | السيد محمد تقي المدرسي