وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ونستلهم من هذه الآية المنهج السليم لتربية الطفل الذي كان يتبعه الوالدان المؤمنان ، الذي أنشأ الله به ذلك الجيل الصالح الذي احترم الجيل الماضي بالإحسان إليه والاستغفار له ، كما عمل في سبيل إنشاء جيل صالح بالدعاء والعمل . وهذا المنهج قائم على أساس توسيع رؤية الطفل ليرى الحياة الأخرى فيوازن بينها وبين الدنيا في قراراته ، فيسعى لهما سعيا عادلا ، ولا يترك إحداهما للأخرى ، لأنهما في الواقع حياة واحدة ممتدة من اليوم حتى يوم الجزاء .
بَيْدَ أن بعض الآباء يخفقون في هذا السبيل ، وعليهم ألا يقلقوا فقد أدوَّا مسؤوليتهم ، وما جعل الله لهما سلطانا يكرهان به ولدهما على اتباع الحق . كيف وقد خاطب الله رسوله الكريم : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [ الغاشية : 22 ] ، وقال : لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ [ البقرة : 256 ] .
وقد خلق الله الناس أحرارا يبتليهم ، ولعلنا نستفيد من هذه الآية أن مسؤولية الدعاة وحملة الرسالة تقتصر على البلاغ ، وحتى لو كانت لديهم قوة رادعة فلا يستحسن التوسل بها لإكراه الناس على اتباع الرشد ، فبالرغم من أن للوالدين السيطرة الطبيعية على الولد إلا أنهما حين يقومان بدور الداعية يستفرغان الجهد في إقناعه بالحجة ، وليس بإكراهه ، وعادة ينجحان ، أما إذا فشلا فذلك أمر يعود إلى وجود حرية القرار عند الولد الذي قد يتمرَّد على الحق بحجة أنه تقاليد بالية وأفكار رجعية .
فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ويبدو من هذه الكلمة أنه متمرِّد على الماضي ، ويتهمه بأنه يمثل الخرافة والدجل ، وهذا شأن صراع الأجيال الذي يحرم الجيل الصاعد من ثقافة الجيل السائد وتجاربه وعبره وعظاته ، ويقضي على التواصل الحضاري الذي هو عنوان تقدم الأمم .
وقد كان لهذا النفس المشؤوم آثاره السيئة علينا نحن المسلمين في العصر الحديث ، حيث لم يميِّز الشباب بين السمين والغث من تجارب آبائهم فرفضوها ، وسعوا نحو تقليد الأجانب ، فكانوا كالغراب الذي حاول تقليد الطاووس في مشيته فلم يفلح فضيع المشيتين !
إن من لا يملك أصالة لا يستطيع الانتفاع بتجارب الآخرين ، لأنه لا يملك مقياسا سليما يميز به ما ينفعه من تجاربهم وما يضره ، فيكون كمن يبني على الرمال سرعان ما ينهار بناؤه . وقد دلت تجارب التاريخ على أن الأمم ذات الأصالة هي الأقدر على احتواء تجارب غيرها من الأمم المتمردة على تاريخها ومكاسب حضارتها .
من هدى القرآن — صفحة 179
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٧٩