تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الآية هو بيان نوعين من البلوغ : الأول : البلوغ الأولي الذي يجعل الفرد مستعدا لدخول الحياة . الثاني : البلوغ الأتم الذي يحدث عند سن الأربعين حيث يكتمل نمو خلايا المخ ، وتتراكم تجارب الحياة ، ويكون الإنسان في قمة عمره حيث ينحدر من بعدها شيئا فشيئا إلى نهايته ، ومن هنا جاء في الحديث أن الشيطان يمسح يده على وجه من زاد على الأربعين ولم يتب ، ويقول : بأبي وجه لا يفلح ( « 1 » . ويؤيد ذلك أن الإنسان يمثل في العقد الأربعين من عمره دور الولد الذي أكمل الوالدان دورهما في نموه وتطوره ، كما يمثل الوالد الذي ذاق - بدوره - الصعوبات التي تحملها والداه في أمره فعرف قدرهما ، ووعى قدر النعم التي أسبغها الله عليه . فطفق يشكر الله شكرا جزيلا ، ولكنه كلما ازداد وعيا بالحياة ومشاكلها عرف عجزه عن أداء شكر الله فأخذ يدعو الله أن يوفقه لشكرهما بفضله ، لأن منبعث الشكر الرؤية الإيجابية إلى الحياة ، وهي تطلق قدرات الإنسان من عقال اليأس والتشاؤم والسلبية ، وتزرع في قلبه حب السعي ، وروح النشاط ، وهمة التقدم ، والتطلع إلى الأهداف السامية . وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ونستوحي من الآية مقياسين لصلاح العمل : المقياس الذاتي الذي يتمثل في فائدة العمل وصحته بحكم العقل والعرف ، والمقياس الشرعي الذي يتمثل في مرضاة الله التي نعرفها بالقيم الدينية . . والمؤمن يتطلع لتحقيق العمل الصالح في ذاته الذي يقربه شرعا إلى الله ، وهو بالطبع ليس كل عمل صالح ، بل الذي يقع ضمن استراتيجية الرسالة ، فمثلا : تعبيد الطرق عمل صالح ، إلا أنه قد لا يكون مرضيا عند الله ، كما لو ابتغى الفرد منه علوا في الأرض أو فسادا ، كذلك حين يكون هذا الفعل الصالح معارضا لعمل أولي كالدفاع عن الوطن أو مقاومة الطاغية . وهكذا يدعو الإنسان السوَّي ربه التوفيق للقيام بعمل صالح مرضي عنده وليس كل عمل صالح ، كما يدعو إلى أن يكون امتداده في الحياة وذريته من الصالحين . لقد سهر الآباء لتربية هذا الجيل على الفضيلة والتقوى ، وأنفقوا في سبيل إنشاء المدارس والمعاهد ، وتوفير الثقافة الحكيمة ، وبناء الجوامع ومراكز التوعية والتوجيه ، وقد أثمرت جهودهم في بناء هذا الجيل الصالح . أفلا نسعى نحن في سبيل بناء الجيل الصاعد على ذات الأسس الصالحة ؟ بلى ، إن ذلك هو الشكر العملي على نعمة الصلاح التي أسبغها علينا الرب .
هامش
( 1 ) مستدرك سفينة البحار : ج 4 ص 64 .