يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ لا شيء وراء ظاهرة الحياة والموت ، ولا حتى الله الذي قدرَّهما ، وما الدهر سوى الطبيعة ، وهل للطبيعة إرادة وحكمة ؟ ! أفلا ينظرون إلى السماوات والأرض وما فيهما من عظمة التدبير ودقة التقدير ؟ ! أفلا يهديهم العقل إلى أن لكل تدبير مدبر ، ولكل تقدير مقدر ؟ !
ويبدو أن مرادهم من الموت فناء جيل ، والحياة نشأة جيل من بعدهم ، فالزمان في زعمهم يميت الأولين ، ويحيي من بعدهم الآخرين ، وهكذا في دورة متتابعة لا يعرف مبتداها ولا منتهاها ، وتبقى الأسئلة حائرة : من أين جئت ، إلى أين أسير ؟ وينادي ليست أدري !
ويبدو أن هذه النظرية يفرزها القلب المختوم عليه بسبب عبادة الهوى ، وهي تحلل الإنسان من كل قيد ، وتطلق عنانه في اتباع الشهوات حتى النفس الأخير ، وهي نظرية قائمة على أساس الفراغ العقائدي .
وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي يتخيَّلون أن لا بعث ولا حساب . أفينبغي أن نرسي بنيان أفكارنا وأساس مجمل ثقافتنا على قاعدة الظن بعيدا عن العلم ؟ ! ولكن ماذا يملك من عبد هواه ، وأضله الله ، سوى الظنون ؟ ! إن العلم أعظم نعمة ، وهو من عند الله ، فلو سلبه من أحد ، أترى يعرف شيئا ؟ هل يقدر الحائط - مثلا - أن يعي ما في الحقل ، أم المكيال ما في البيدر ؟ ! ولماذا ؟ مستحيل أن يعرفا ، أوَلَيس لأن الله لم يرزقهما العلم ؟ كذلك محال أن يعرف مَنْ عبد هواه بداية الخلق ونهايته ، لأنه قد سلب منه هذا العلم ، وقد تم إضلاله على علم .
الذي يرى الرياض الجميلة تتوق نفسه إليها ، ولكن الأعمى يظل يتخيَّل ، ويقول ليس ثمة شيء أبدا . دعه في ضلاله أبدا .
[ 25 ] وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ حتى تكاد تلزمهم بالحقيقة تهربوا منها دون أن يملكوا حجة ، بل : مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وهل إذا أحياهم يؤمنون ؟
كلا . . إنهم يبررون بذلك تهربهم من مسؤولياتهم .
[ 26 ] قُلْ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ من بعد العدم ، بالقدرة التي خلق بها السماوات والأرض من العدم .
ثُمَّ يُمِيتُكُمْ وليس الدهر كما زعموا أنه يهلكهم .
ويبدو أن هناك فرقا بين الموت والهلاك : فالموت هو انفصال الروح عن الجسد ، أما الهلاك
من هدى القرآن — صفحة 142
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٢