تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فهو اندثار الشيء ، وهو يتناسب مع الزوال بعذاب ومع الظروف التي تمحو آثار الميت وكأنه قد تلاشى ، كما استُخدم الهلاك في قوله سبحانه : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [ غافر : 34 ] ، وقوله تعالى يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ [ النساء : 176 ] ، وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، فهلاك يوسف اندثار رسالته ، وعدم التقيد بها ، وهلاك المرء انتهاء دوره حتى أن الكلالة يتقاسمون إرثه ، وكذا في الآية الثالثة حيث يتم تلاشي كل شيء إلا وجه الله ، كما قال ربنا سبحانه : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [ الرحمن : 26 ] . والله القادر على الإحياء والإماتة هو القادر على البعث والنشور . ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ إذا كان يوم القيامة لا ريب فيه ، فلماذا نرى أكثرهم لا يعلمون بها ؟ . بلى ، يوم القيامة لا ريب فيه واقعا ، أي لا محالة واقع ، وليس في ذلك تردد ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بهذا الواقع ، ولا يغيِّر جهل البشر من الواقع شيئا ، فنحن نجهل - مثلا - وجود منظومة شمسية في آخر آماد هذا الفضاء ، فهل يجعل جهلنا بها وجودنا عدما ؟ كلا . . ولعل هذه الآيات في القرآن تعالج حالة نفسية عند البشر أنه يزعم أن مجرد شكه في شيء يجعله في حل من الالتزامات المرتبة على وجوده ، ومن ثَمَّ يتجاهل أشياء واضحة بزعم أنه يدرأ عن نفسه أخطارها ، كالنعامة التي تخفي رأسها زاعمة أنها إذا لم تر الصياد فإنه لا يراها ! كلا . . الواقع واقع ، سواء آمنت به أو لم تؤمن ، فإذا كان ذلك الواقع كيوم القيامة الرهيب فإن تجاهله مأساة حقيقية للإنسان . [ 27 ] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ أولئك الجاهلون يزعمون أن تكذيبهم بالساعة واستهزاءهم بها يكفيهم ، كلا . . يقول ربنا : إن ملك السماوات والأرض لله ، والله لا يعطي شيئا منها لأحد باطلا ، وإنما رزقهم منها ما يمتحنهم به ، فإذا عملوا باطلا فإنهم يخسرون يوم القيامة . أليست الدنيا مزرعة الآخرة ؟ أليس ما بأيدينا من قوة ومال وبنين هو رأسمالنا الوحيد ، فإذا لم نصلح أمره بل جعلناه في يد اللهو والباطل فإن ذلك الخسران ؟ [ 28 ] ويقص علينا حالة الأمم التي قالت وعملت باطلا في ذلك اليوم الرهيب ، ويقول : وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً الجثو : هو الجلوس على الركب بخشوع وذُلّ . كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا إن الكتاب هو كتاب أعمال الأمم .
من هدى القرآن — صفحة 143 | السيد محمد تقي المدرسي