تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ينبعث منها الإيمان ، فمن اتبع عقله هُدِيَ إلى الإيمان ، ومن آمن أنقذ عقله من براثن الهوى ، أما مَنِ اتَبع هواه فقد عطَّل عقله ، ولن يهتدي إلى الإيمان ، ويكون كمن أوصد منافذ قلبه حتى لا يصل إلى الحقيقة ، ولن يصل إليها ، وحين يتبع الإنسان هواه تكثر أنانيته وشهواته ، حتى لا يرى إلا نفسه وما يخدمها مباشرة ، ويبلغ به حب الذات حدَّ العبادة ، إذ يجعل ما تشتهيه نفسه شرعا يلتزم به ، وحينئذ يسجن في زنزانة نفسه ، ولا يؤمن بغيرها ، ولا يقدر أن يسمو بها إلى حالة الإيمان برب العالمين . أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ لماذا يقول ربنا : أَفَرَأَيْتَ ولا يخاطب من اتبع هواه مباشرة ؟ والجواب : أولًا : لأن مثل هذا الإنسان ليس من السهولة أن يميِّز خطأه ، بل هو كالميت لا يستحق خطابا . ثانياً : لكي يتخذ المخاطب حذره ، فلا يقع فيما وقع فيه عابد هواه ، ويتعلم عبادة ربه من عابد هواه ، كما قيل لذلك الحكيم : من أين تعلمت الأدب ؟ قال : ممن لا أدب له ، عمل ما ساءني فلم أعمل مثله ؟ كذلك يكفينا عبرة النظر إلى عاقبة من يعبد هواه ، فلا ندع شهواتنا الطاغية تستدرجنا إلى هذا المصير ، بل نعُدُّ الهوى أشد أعدائنا ، ونعُدُّ الوقوف أمامه شجاعة بالغة . . على أن أكثر الناس يطيعون أهواءهم بقدر معين ، إلا أن من يتخذ هواه إلهه عبرة لهم ، ليعرفوا عاقبة الاسترسال مع الهوى . وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ إنه ما أضلهم إلا من بعد أن أعطاهم العلم ، فاختلفوا بغيا بينهم ، وقيل على علم من الله أنه يستحق الإضلال بسبب جحوده بعد اليقين ، وكفرانه بنعمة الهدى ، ويؤول كلا التفسيرين إلى معنى واحد . وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ فلا يسمعون ولا يعون الحقائق ، لأن الله أبعدها عنهم ، وهل يعطي ربنا دينه من يعرف أنه يكفر به سلفا ؟ ! وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فعندما يبصر الآيات لا يرى ما وراءها من العبر ، وما قيمة ظواهر الآيات إذا لم يهتد الإنسان إلى معانيها ، أوَ تنتفع من سماع لغة لا تعرفها ، أوَ ينتفع الأمي إذا نظر في كتاب ، وهل يهتدي غير الطبيب إلى حقيقة المرض من رؤية أعراضه ؟ كذلك نظرات الذين يعبدون أهواءهم تذهب عبثا ، لأن تركيزهم إنما هو على ظواهر