تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وهناك سؤال : لماذا يقول ربنا : كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا ، ولم يقل : كل فرد يدعى . . ؟ . ولعل الجواب أن القرآن الحكيم يشير إلى حسّ التوافق مع المجتمع في الإنسان ، التي تجعل المجموع مسؤولا عن كل فرد ، كما أن الفرد له مسؤولية تجاه المجموع ، ذلك لأن كثيرا من أعمال الفرد وعاداته إنما المسؤول عنها المجموع ، ونستطيع أن نشبِّه التجمع بقافلة ركاب ، فلو سقطت في الوادي لهلك أهلها جميعا . والقرآن يسفِّه حالة الانسياق وراء المجتمع ، قال الإمام موسى عليه السلام لفضل بن يونس : [ أَبْلغْ خَيراً وَقُلْ خَيْراً وَلَا تَكُنْ إِمَّعَة . قُلْتُ : وَمَا الإِمَّعةً ؟ قَالَ عليه السلام : لَا تَقُل أَنَا مَعَ النَّاسَ وَأنَا كَوَاحدٍ مَن النَّاس ، إنَّ رَسُوَلَ الله صلى الله عليه وآله قال : يَا أيُّها النَّاسُ ، إِنَّما هُمُا نَجْدَانِ نَجْدُ خَيرٍ ونَجْدَ شَرٍّ فَلَا يَكُنْ نَجْدُ الشِّر أَحَبَّ إِلَيكُم مِنْ نَجْدَ الخَيرِ ] « 1 » . ونستفيد من الحديث أنه لا يوجد في الإسلام حتميات اجتماعية ، ومن الممكن تغيير الثوابت والحتميات الاجتماعية بإصرار أبناء المجتمع ، ولكن من عادة الناس اتباع الحالة الاجتماعية ، إلا من عصمه الله ، ولذلك فهم مشتركون في الجزاء . الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لو قال ربنا : الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ لاحتمل أن يكون الجزاء من غير جنس العمل ، ولكن حذف الباء يؤكد أن الجزاء هو العمل ذاته الذي اجترحه الإنسان . [ 29 ] هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ نطق الكتب قد يكون بسبب وضوح الأعمال ، وقد يكون النطق بالمعنى الظاهر للكلمة ، أي إن الكتاب يفرز الصوت ، وقد أشار القرآن الكريم إلى مثل هذا المعنى في قوله : حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 20 ) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 20 - 21 ] . ففي يوم القيامة تجسيد حي لعمل الإنسان ، فربما عرض عليه الصوت والصورة لعمله ، والفرق بين كتابة العمل في الدنيا عنه في الآخرة أنه في الدنيا تكتب ظاهر الأعمال ، بينما في الآخرة تثبت بخلفياتها ، وبكل مقاديرها ونسبها ، إذ تكتب صلاة الاثنين ، ولكن لكل صلاة خصوصياتها ، فصلاة هذا أكثر إخلاصا وخشوعا وتأنيا من الآخر ، وكذا في سائر الأعمال . إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ والاستنساخ هو إعادة كتابة الأصل ، فالأصل عند الإنسان ، والكَتَبَةُ من الملائكة يكتبون ما يعمل ، ويدل على ذلك قوله : اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [ الإسراء : 14 ] .
هامش
( 1 ) تحف العقول : ص 413 .