[ 20 ] هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ واضحة تهدي القلوب والعقول ، وطريقة للرؤية الصائبة ، ومنهج للتفكير السليم وَهُدًى فالقرآن لا يكتفي ببيان البصائر ، بل يقربنا حتى نلامسها ، ونتفاعل معها ، ونشهدها عن كثب ، وهذا هو الهدى .
والهدى يكون بدليل ، كمن يهتدي بالنجوم في ظلمات البر والبحر ، وبصائر الوحي تهدي من ضلال الجهل والحيرة .
وإنما مَثَلُ المهتدي إلى الحق المنتفع ببصائر القرآن مَثَلُ مَنْ يستفيد من عينه ، بينما مَثَلُ الضال مَثَلُ الذي يمشي مكباً على وجهه فلا يجد الطريق . فالمهتدي يستفيد من عقله .
والله يهدي عباده إلى سبل السلام بهداية العقل والوحي ، ومن وسائل الهداية أنه ذكَّر الناس بمصير الغابرين ، ليعلموا - يتبصروا - أن أسباب هلاكهم قد يقتضي هلاك من يعمل بمثل ما عملوا . وما دمنا وإياهم نعيش في أرض واحدة ، وتحكمنا السنن ذاتها ( والأنظمة الإلهية ) فلابد أن نخشى مصيرهم .
إن القرآن بصائر وللاهتداء بها ينبغي للمؤمن أن يتدارسها حتى يكون على بصيرة ، فإذا مرَّت به وساوس الشيطان تذكر واستعان بالله تعالى واستفاد من بصائر الوحي حتى يميِّز بين وساوس الشيطان وثقافات البشر ، وبين حقائق الإيمان وبصائر الوحي ، فإذا به مبصر يشاهد الحق حقاً فيتبعه ، والباطل باطلًا فيجتنبه .
وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إذ أنقذهم من الغواية والاختلاف ، وهداهم إلى شريعته الواضحة السمحاء . أما الذين لا يوقنون ، ومن ثَمَّ لا ينفذون أوامره في الأوقات الحرجة ، وبالذات عند اختلافهم ، فإن القرآن لا يغني عنهم شيئا فلا ينتفعون بهديه ولا يرتفع الخلاف ، ولعل الآية هذه تشير إلى ما تدل عليه الآية الكريمة : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ النساء : 65 ] .
[ 21 ] لأن الدنيا دار ابتلاء فهي دار غرور يخيَّل للإنسان أن المجرم والمحسن فيها سواء ، وما هي إلا فتنة قصيرة الأمد ، وبعده يتميَّز المحسن بالثواب ، والمجرم بعقاب شديد .
ويوغل البعض في التمني والغرور حين يزعم أن الآخرة - كما لبعض الحالات في الدنيا - يتساوى بها المحسن والمسيء ، وهكذا تسول له نفسه الاسترسال في السيئات دون رادع كلا ، إن ذلك حكم جائر بعيد عن سنن الله في الخليقة .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ والاجتراح : الاكتساب ، ونستوحي من الآية
من هدى القرآن — صفحة 137
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٧