أن اجتراحهم للسيئات هو الذي جعلهم يظنون هذا الظن السيئ ، ذلك لأن الشيطان يزين للإنسان عمله .
أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ كلا فحياة المؤمن زاخرة بالاطمئنان ، والفلاح ، والأمل ، بينما يجعل الله صدر الكافر حرجا ضيقا ، ويمنع عنه الالتذاذ الكافي بنعيم الدنيا ، ويجعله يأكل كما تأكل الأنعام ، ويجعله عرضة للعذاب .
أما بعد الموت فإن الملائكة يستقبلون المؤمنين بالترحاب ، بينما يغلظون على المجرمين ، ثم يتميزَّون إلى الأبد عن بعضهم ، فهؤلاء في الجنة منعمون ، وأولئك في العذاب الأليم .
سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وعند هذه الآية تتلاشى الأماني التي يعيشها بعض المسلمين ، ويبرِّرون بها اجتراحهم للسيئات ، فبعض يقول : سيغفر لنا ، وبعض يزعم أنه يتوب قبيل وفاته ، وبعض يتشبَّث ببعض الطقوس ويزعم أنها تغنيه عن الالتزام بالواجبات . كلا . . إن ربنا عدل لا يجور ، ولا يمكن أن يتساوى عنده المحسن والمسيء .
[ 22 ] حين نتفكر في خلق الله في السماء التي تظلنا ، وفي الأرض التي تقلنا ، وفي الظواهر الطبيعية ، وفي الدورات النباتية ، وفي التفاعلات الحياتية ، وفي كل شيء ، فإن حقيقة واحدة تتجلى بوضوح وهي : أن كل شيء حق ، ويدبِّر بحق . أرأيت الذي يزرع الشعير هل يحصد حنطة . كلا . . ولماذا لا نتمنى للخامل أن يحصل على علم وافر ، وثروة طائلة ؟ وكيف لا يحلم أحد أن تلد البقرة حصانا ، أو أن يطير الفيل في الجو كالغراب ؟
لماذا العلم يتوغَّل في عمق الأشياء لمعرفة الأسباب والنتائج ، أو خصائص المعادن والنبات ، أوَلَيس لأن كل شيء خلق بحق ، ويجري ضمن سنة عادلة ؟ !
فكيف نتمنى إذا أن نجترح السيئات ويكدح ذلك المؤمن في إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والجهاد ، ثم نجني نحن وهو ثمرات متشابهة . هل رأيت مثالا واحدا في عالم الخليقة حتى تقيس نفسك به مثلا ؟
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ ويتجلَّى هذا الحق في حياة الإنسان من خلال سنة الجزاء وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بلى ، قد يتأخر الجزاء أو تخفى علاقته بالعمل ، قد يشرب المرء ماء ملوثا ثم يصاب بمرض خطير بعد مدة ، ولا يصدِّق أن شربه ذلك الماء كان سبب إصابته بالمرض . قد يعيش مجتمع التخلف ولا يعترف أن خموله ، وتمزقه ، وجهله سبب ويلاته ، ولكن سنة الجزاء جارية ، علمنا بها أم لا ، وصدقنا بها أم لا .
من هدى القرآن — صفحة 138
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٣٨