التي ينقلها المغرضون ، فيثيرون النزاع بين المؤمنين ، فإنهم لا يقاومون الظلم في الواقع ، لأنهم لن يستأسدوا إلا على الضعفاء ، بينما يستسلمون للأقوياء ، فهم كما قال الشاعر : ( أسد علي وفي الحروب نعامة ) ، بينما المجتمع الفاضل هو الذي تسود علاقاته الداخلية فضيلة التعافي والإيثار ، ويدَّخر قوته وغضبه لمقاومة الظالمين والجبابرة .
وما أحوجنا اليوم ونحن نعيش ظروف الصراع مع أعداء الدين إلى التعافي بيننا ، ولو عرفنا ما في العفو من ثواب عظيم لاستصغرت في أعيننا المكاسب الجزئية التي ترتجى من صراعنا الداخلي أو انتصارنا من بعضنا البعض ، هكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
[ عَلَيْكُمْ بِالعَفْوِ فَإِنَّ العَفْوَ لَا يَزِيدُ العَبْدَ إِلَّا عِزّاً فَتَعَافَوْا يُعِزَّكُمُ اللهُ ]
« 1 » . ولعل العزة تأتي عبر انتصارهم على عدوهم بما يوفرِّه التعافي عن بعضهم من التماسك الداخلي ، وربما تشير الرواية التالية إلى هذه الحقيقة ، فعن الإمام أبي الحسن عليه السلام :
[ مَا التَقَتْ فِئَتَانِ قَطُّ إِلَّا نُصِرَ أَعْظَمُهُمَا عَفْواً ]
« 2 » .
[ 41 ] وينقض القرآن جانبا من الأفكار السلبية التي ينشرها البعض في الأمة ، من قبيل أن مقاومة الظالمين والثورة ضد الانحراف هي السبب في اضطراب الأوضاع وانحسار الأمن ، بينما السبب هو ظلم السلطة الحاكمة وانحرافها ، فالظلم هو السبب في انعدام الأمن ، وليس رد الظلم من قبل المجاهدين . وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ فلا يجوز إذن أن نلقي باللوم عليهم ، لأنهم يطالبون بحقوقهم المشروعة ، وبهذا يقطع القرآن الكريم ألسنة ضعفاء النفوس ومرضى القلوب الذين يقفون دائما مع القوي ضد الضعيف .
[ 42 ] إذن فعلى من يقع اللوم ؟ ومن هو المسؤول عن الواقع الفاسد ؟ . إنما المسؤول الأول عن مشاكل الصراع هم الحكام الظلمة الذين يريدون السيطرة على الناس ونشر الفساد . انَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ فالقوى الاستكبارية التي تسعى لبسط سلطانها الفاسد على الشعوب المقهورة هي المسؤولة عن مشاكل الشعوب ومآسيها ، أما دفاع الناس عن أنفسهم وعن مصالحهم فهو جهاد مشروع لاسترداد الحقوق الضائعة . . والإرهاب والظلم والإفساد هو السياسة التي يقوم بتطبيقها المستكبرون والحكّام المرتبطون بهم ، وليس ما يضطر إليه المصلحون والمدافعون عن حقوقهم من جهاد ملتزم بالضوابط الشرعية . . ويتوعد ربنا الطغاة بأشد العذاب . أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قد يرونه في الدنيا وربما يتأخر إلى الآخرة .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 108 .
( 2 ) المصدر السابق : ص 108 .