[ 43 ] وإذا كنا نريد الانتصار على هؤلاء الظلمة فنحن بحاجة ماسة إلى الصبر :
أولًا : الصبر والاستقامة أمام إغراءات العدو ، فالظالم يبث في المجتمع ألوانا من الأحلام والأماني وكلها كاذبة .
ثانياً : الصبر لتحدي إرهاب العدو وقمعه .
ثالثاً : الصبر لمقاومة الاستعجال والارتجالية في أنفسنا وعند إخواننا ، فما أحوجنا لذلك ونحن نسعى لتنظيم أنفسنا وأمورنا استعدادا لمحاربة العدو .
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ والعزم في الأمور هو أن لا يأخذ الإنسان الأمور مأخذا هينا دون التخطيط الدقيق لها والسيطرة عليها ، بل الحسم والإرادة القوية لتحقيق الأهداف المنشودة ، بعيدا عن روح التشفي ، وذلك لا يتأتى إلا بالصبر والحلم . ويبدو أن هذه الآيات وبالذات الأخيرة منها تهدف - فيما تهدف - تربية نفوس المؤمنين على مقاومة الترف والتعجيل وفورات الغضب التي تصيبهم في لحظات الضعف فتذهب بحلمهم وأناتهم ورفقهم وتلطفهم ، وربما كشفت عن واقعهم ، وأفسدت خططهم الرسالية . بينما حاجة المؤمنين إلى الصبر بانتظار اللحظة المناسبة حاجة مضاعفة ، من أجل ذلك أوصى أئمة الهدى المجاهدين ضد الطاغوت بكظمهم الغيظ ، وعَدُّوا ذلك من الحزم الذي يساهم في نجاح المهمات الصعبة . قال الإمام الصادق عليه السلام :
[ كَظْمُ الغَيْظِ مِنَ العَدُوِّ فِي دَوْلَاتِهِمْ تَقِيَّةً حَزْمٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ وَتَحَرُّزٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْبَلَاءِ فِي الدُّنْيَا وَمُعَانَدَةُ الأَعْدَاءِ فِي دَوْلَاتِهِمْ وَمُمَاظَّتُهُمْ « 1 » فِي غَيْرِ تَقِيَّةٍ تَرْكُ أَمْرِ اللهِ فَجَامِلُوا النَّاسَ يَسْمُنْ ذَلِكَ لَكُمْ عِنْدَهُمْ « 2 » وَلَا تُعَادُوهُمْ فَتَحْمِلُوهُمْ عَلَى رِقَابِكُمْ فَتَذِلُّوا ]
« 3 » . ويبلغ بالإمام زين العابدين التأكيد على كظم الغيظ تقية درجة يقول :
[ وَدِدْتُ واللهِ أَنِّي افْتَدَيْتُ خَصْلَتَيْنِ فِي الشِّيعَةِ لَنَا بِبَعْضِ لَحْمِ سَاعِدِي النَّزَقَ وقِلَّةَ الكِتْمَانِ ]
« 4 » .
وتزداد صفة العفو أهمية عند المقدرة ، وبالذات عند سيطرة فريق على آخر ، وما أحوج حكام المسلمين اليوم إلى هذه الصفة الإيمانية التي كانت رمز بقاء الإسلام وانتشار نوره ، أفلا تأسوا برسولهم الكريم الذي عفا عن قريش بعد أن شنت عليه ( 17 ) حربا بكلمة واحدة قائلا :
[ اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ ]
« 5 » وعفا عن قاتل حمزة عمه الكريم ، بالرغم من أن قتله أحدث في فؤاده
هامش
( 1 ) المماضة : شدة الخلق والمنازعة .
( 2 ) أي ينمي قدركم عندهم .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 409 .
( 4 ) الخصال : ج 1 ، ص 44 .
( 5 ) الكافي : ج 3 ، ص 512 .