تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
وإني أعتقد بأن كثيرا من أبناء الأمة الإسلامية قد أقروا عيني رسول الله صلى الله عليه وآله ، فالذين استشهدوا في صفين مع الإمام علي عليه السلام ، والذين استشهدوا في كربلاء مع الإمام الحسين عليه السلام ، والذين دافعوا عن خط الرسالة على امتداد التاريخ وخلال ( 14 ) قرنا وحتى اليوم . . والمعذبون في السجون ، وشهداء الحق ، والمجاهدون في كل حقل ، هم شهود على ما أقول . إنهم قدموا لرسول الله الأجر ، وليس من الصحيح أن ننظر إلى الجانب السلبي من التاريخ ، فليس من المنطقي أن نفتش في الليل عن الظلام فكل العالم ظلام ، ولكن يبهر أبصارنا فيه نور القمر ، ويلفت انتباهنا ضياء النجوم . وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً توجد في هذه الجملة لفتة فنية بالغة اللطف والدقة تتركز في كلمة يَقْتَرِفْ ، فهذه الكلمة عادة ما تأتي مقارنة للسيئة وليس للحسنة ، حتى قالت العرب ( الاعتراف يزيل الاقتراف ) ، فما هو السر في استعمالها هنا ؟ . إن الاقتراف معناه السعي المكثف للقيام بشيء صعب ، وأصل الكلمة نزع لحاء الأشجار أو الجلد الإضافي من الجسم ، ولعلها استخدمت هنا لأن السياق يهدي إلى طاعة أولي القربى ومودتهم وهي حسنة بالغة الصعوبة ، فمن أجل تطبيق هذه الآية الكريمة أريقت دماء ، وأطيحت برؤوس ، فليس كل إنسان أهلا لأن يكون من أصحاب المودة . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ أي إن الله سوف يقدر هذا العمل البطولي الشجاع ، ويغفر لصاحبه ذنوبه . وهكذا روي عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أنه قال : [ فَاقْتِرَافُ الحَسَنَةِ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ البَيْتِ ] « 1 » . كما روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : [ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا خَاصَّةً أَهْلِ البَيْتِ فِي عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ أَصْحَابِ الكِسَاء عليهم السلام ] « 2 » . وروي مثل ذلك عن ابن عباس . وكلمة أخيرة : لماذا اختار الله أولي القربى لقيادة الأمة ؟ . هل لأنهم من صلب الرسول ، وقد أراد ربنا إكرام نبيه العظيم بذلك ، وإيتاء بعض أجره في الدنيا ، ليبقى ذكره العطر فواحا في كل عصر ، ولكي يتحقق بالتالي ما بشر ربنا به الرسول حين قال : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ [ الكوثر : 1 ] ، ونهر أعداءه حين قال ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [ الكوثر : 3 ] ، فهذه سلالة الرسول تزين مجالس المسلمين في كل عصر ! . بلى ، ولكن ليس هذا سبب اختيارهم قادة ، لأنه ليس كل من انتسب إلى الرسول صلى الله عليه والهيصلح للإمامة ، إنما كان أشخاص معيِّنون بالصفات والأمثال اجتباهم الله لإمامة المسلمين ، وأشارت إليهم الآيات ، وذكرتهم النصوص ، وكانوا هم الأقربون إلى رسول الله نهجا وسلوكا ،
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 23 ، ص 251 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 40 ، ص 94 .