تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
هي وراء أكثر الاختلافات ، وإذا لم تزك القلوب من آثارها فإن الخلاف لا يقضى عليه حتى في إطار الأهداف الواحدة والمصالح المشتركة . ومما يساهم في تصفية جزء كبير من أمراض القلب حب أولياء الله حيث يغمر نوره القلوب فيفيض حتى يشمل طائفة المحبين جميعا . إن حب الرسول يجعلنا نحب كل تابعيه ، وحب أهل بيته يسري إلى محبيهم حتى يصبحوا حزبا إلهيا واحدا ، ويتحابوا في الله ، ويتزاوروا في الله ، ويتعارفوا في سبيل الله . هكذا شبه الرسول حبهم بسفينة نوح التي وحدت بين راكبيها ، كما حملتهم إلى بر الأمان . إنهم الحبل الذي يشد أزر المتمسكين ببعضهم ، إنهم النجوم التي توحد مسيرة المهتدين بهم . ولأن طاعة أهل البيت ، والتمسك بالقيادة الشرعية الرائدة ، تقتضي جهاد المشركين ، ومقاومة الطغاة والمترفين ، وتحدي تيار الفساد والضلال ، وبالتالي تقتضي هذه الطاعة الجهاد والإيثار والشهادة ، فقد جعل الله منطلقه الحب الذي به يسهل كل صعب ، بل ويتلذذ الحبيب بما يبذله في سبيل من يحب . ألم يأتك نبأ أهل الإيثار « 1 » في سوح القتال ، كيف استساغوا شراب الموت ، وكان عندهم أشهى من العسل ، لأنهم اتبعوا نهج إمامهم الحسين عليه السلام الذي قال وهو يعالج سكرات الموت تحت ركام من السيوف والخناجر والسهام والحجارة ، وقد اشتد به العطش ، ووتر بأفضل أهل بيت وأبر أصحاب ، قال : [ إِلَهِي صَبْراً عَلَى قَضَائِكَ لَا مَعْبُودَ سِوَاكَ ] « 2 » . وقالوا على لسانه :
تركت الخلق طرا في هواك * وأيتمت العيال لكي أراك فلو قطعتني بالحب إربا * لما مال الفؤاد إلى سواك
ثانياً : الطاعة الحقيقية هي لله ، وأما المودة ففي القربى ، نحن لا نطيع القيادة لذاتها أنى كانت ، إنما نطيعها لأنها امتداد لولاية الله سبحانه وتعالى . الطاعة ليست إلا لله ولمن أمر الله ، وهذا يتناسب وأجر الرسالة ، ، لأن أجر الرسول هو أن يستمر نهجه ، حيث كان يتطلع نحو بقاء خطه الرسالي في الأمة ، وهذا كان أهم أجر تقدمه الأمة الإسلامية لرسول الله ؛ الذي ما ونى لحظة عن تبليغ رسالات ربه ، ولا ادخر وسعا حتى أمره الله بألا يهلك نفسه حزنا عليهم ، وقال : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [ الكهف : 6 ] ، وقال : طه ( 1 ) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [ طه : 1 - 2 ] .
هامش
( 1 ) أصحاب الإمام الحسين عليه السلام المستشهدين بين يديه في واقعة كربلاء سنة 61 ه ، في العاشر من محرم الحرام . ( 2 ) ينابيع المودة : ج 3 ص 82 .