[ 24 ] كلما ذكرنا ربنا بأمر عظيم نَهَرَ المكذبين بالقرآن الذين اتهموا رسوله بالافتراء ، لماذا ؟ ، لأن التبرير الشائع الذي يلتجئ إليه مرضى القلوب للهروب من مسؤوليات قبول أوامر الرسالة المستصعبة هو التكذيب بها . وهكذا حين جاء الأمر بأداء أجر الرسالة في المحافظة عليها عبر مودة القربى ثارت عصبية البعض ، وقالوا : إنما قال هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم ، فأنزل الله : أَمْ يَقُولُونَ « 1 » .
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً إنه لقول عظيم ، كيف ينسبون إلى رسول الله الصادق الأمين الكذب ، وبالذات حين يتمثل في الافتراء على الله ، وهم يعرفون مدى تفانيه في الله ؟ ثم هل من المعقول أن يدع الله رسوله الذي اختاره بعلم ، وأسبغ عليه نعمة الرسالة ، وأولاه بالنصر ، وأظهر على يده الآيات ، هل يدعه يتقوَّل عليه ؟ ! كلا . . إنه إن يشأ يعاقبه ، وأبسط العقاب هو سلب رسالته منه ، بأن يختم على قلبه فلا يكاد يعرف شيئا . فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ونستوحي من الآية : أن من يفتري على الله يعاقبه الله بالختم على قلبه ، فيسلبه حلاوة مناجاته ، ولذة التقرب إليه .
ومن سنن الله في الحياة إزهاق الباطل ، وإحقاق الحق . . وهذا دليل على أن رسالة الله حق ، ورسوله صادق أمين . وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إن من أدلة صحة الرسالة أن كلمات الله في القرآن ليست من أجل الرسول أو من أجل قومه وعشيرته أو مصالحه ، أو مصالح فئة معينة ، إنما من أجل الحق ، تتطابق مع السنن الجارية في الخلق ، فهي باقية ، بينما الثقافات الأخرى تنتهي حينما تزول عوامل نشوئها ، فإذا كانت ناشئة الطبقية أو العنصرية أو القومية زالت حين تتبدل الدولة الحاكمة ، وإذا كانت ناشئة الخرافات والجهالات والعصبيات زالت بزوالها ، وهكذا ترى كلمات الله في القرآن لا تؤثر فيها المتغيرات أنَّى كانت ، لأنها ناشئة الحق الذي لا يتغير ، مما يدل على أن هذا القرآن هو الصحيح ، وأن تلك الثقافات هي الباطلة .
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إن الله يعلم ما في صدورنا لذلك فهو يعالج الجوانب السلبية مما في صدورنا بالجوانب الإيجابية ، يعالج شهواتنا وأهواءنا بما أركزه في قلوبنا من العقل والمعرفة .
[ 25 ] مهما كان الإنسان حذرا فإنه لا يمكنه اتقاء السقطات ، وهذا دليل على أن الإنسان ليس بإله ، وأن الضعف طبيعة فيه ، لذلك فإن الله يقبل التوبة عن عباده . أوليس هو الخالق
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 6 .