تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
الجاهلية التي تزعم بأن الأنثى ذات روح حيوانية ، فبهذا الاختلاف يكون التنامي والتناسل ، ولكن لو تحول هذا الاختلاف إلى خلاف بين الطرفين ، وانتهى بالتالي إلى الطلاق والعداء . أفلا تنقرض البشرية من على وجه الأرض ؟ ! بلى ، وهكذا لو اختلفت القبائل والشعوب ، وسعت لفرض عاداتها وطبائعها على الآخرين ، لأن الله خلق كل مجموعة بشرية لتحقق هدفا خاصا في الحياة ، أما لو تصارع الجميع لفرض شخصيتهم على بعضهم فسوف ينتفي التعارف والتعاون والتكامل مما يجعل الحياة جحيما لا تطاق . يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ أي يجعل تكاثركم وانتشاركم بسبب هذا الاختلاف ، ولعل من الحكم الأخرى للاختلاف إشعار الإنسان بعجزه الذي تدل عليه حاجته للآخرين ، التي هي بدورها تدل على حاجته إلى الله ، لأنه الصمد الذي لا كفو له ولا شريك ولا شبيه . لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ونتساءل : لماذا أضيف كاف التشبيه على ( مثل ) ، في الوقت الذي كان يكفي أن يقال : ليس مثله شيء ؟ هل الكاف هنا زائدة كما قال بعض المفسرين ؟ أم أن في المعنى لطفا بديعا ! . نحن نميل ألا ننسب الزيادة إلى كلام ربنا ، وبعبارة أن ما درج عليه النحاة من اعتبار الزيادة قد يصح نحويا لا دلاليا . اللهم إلا التي تكون للتأكيد ، ولا معنى ظاهر للتأكيد هنا ، فنعود ونتساءل : إذا ما معنى الكاف ؟ . التفت بعض المفسرين إلى معنى المثل الذي يختلف ظلاله عن كلمة ( ند ) أو شبه ومساوي وشكل ، حيث إن ظلال كلمة المثل توحي بجانب القيم والصفات والأسماء ، بينما ظلال الند توحي بالتشابه في الجوهر ، وظلال ( الشبه ) توحي بالتماثل في الكيفية ، أما كلمة ( المساوي ) فتوحي بالتشابه في الكمية ، وإيحاء ( الشكل ) هو التماثل في المساحة « 1 » . فإذا قلنا : لَيْسَ كَمِثْلِهِ أي لا يشابه صفاته وأسماءه أحد ، فالكاف بمعنى التشبيه ، والمثل بمعنى مجمل الصفات والأسماء ، والله العالم . وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ فلا يزعم أحد أنه ما دام ربنا لا شبيه له ولا كفو فهو بعيد عنا لا يسمع ولا يرى ، كلا . . إن تعاليه لا يتنافى وقربه إلى درجة أنه يسمع ما نقول ، ويبصر ما نفعل ، فهو رفيع الدرجات وهو أقرب إلينا من حبل الوريد . [ 12 ] وهو الذي يرزق من يشاء ما يشاء ، فيعطي لشعب الطاقات والمعادن ، ولآخر العلم والإرادة ، فإذا بالناس يختلف بعضهم عن بعض لتتعاون البشرية مع بعضها ، كما أن ربنا يفتح للبشرية أبوابا متعددة من الرزق ، وإذا ما نفذ شيء منه تلطف عليهم بآخر يحل محله ، فإذا بالآفاق الواسعة تتفتح بقدرة الله أمام البشرية لتجدد الطاقات البديلة عن النفط الذي بات مهددا بالنضب . وما يدرينا لعلهم يهتدون إلى تحويل الماء إلى طاقة محركة كما اهتدوا من قبل إلى
هامش
( 1 ) راجع : مفردات غريب القرآن : ص 462 .
من هدى القرآن — صفحة 356 | السيد محمد تقي المدرسي