أنه وحده يمثل القرآن ؟ . لأن بعضهم أضاف إليه إضافات من أفكاره ومن الثقافات الغريبة عليه فلم يُقِم الدين ، ولأن هذه الأفكار والشهوات تختلف من فريق لفريق بل من شخص لآخر دب الخلاف بينهم ، بل بدا القرآن نفسه مختلفا للناس . ثم إن التحدي الكبير الذي يعيشه المؤمنون دائما على مر العصور في مواجهتهم لقوى الشرك يدعوهم للوحدة بينهم ، لكي لا يجد الأعداء ثغرة للتسلل إلى صفوفهم ، والإفساد بينهم من الداخل .
وفي ظروف التحدي تحتاج الأمة إلى المزيد من الاستقامة على طريق الدين وإقامة الدين كله دون أن يختلفوا فيه ، والسبب هو أن الشيطان قد يوسوس إليهم بأن يتنازلوا عن بعض بنود الدين لكسب المزيد من الأنصار ، بناء على سلم الأولويات أو التدرج في تطبيق الشريعة ، وقد يؤدي ذلك إلى الانحراف في الدين ، مثلما حصل عند النصارى في التاريخ حيث كانت الديانة المسيحية نقية طاهرة فلما رأى الأحبار قلة المنتمين إليها صمموا على الاقتباس من أفكار الفلسفة القديمة الرائجة يوم ذاك ليؤمن الناس ، ومن بين ما أدخلوه عليها بعض الأفكار المقتبسة من الفلسفة المعروفة ب ( النيوافلوطينية ) ، فصارت الديانة التي عليها كثير من النصارى اليوم مشوبة بها .
واليوم نجد الناس يضيفون الثقافة القومية أو الوطنية أو الاشتراكية أو الرأسمالية إلى الفكر الإسلامي ، وما هي سوى ألوان من الشرك إذا عرفنا جوهرها المتمثل في التسليم لغير الله .
إذا يجب علينا أن ندعوا إلى الدين الخالص بلا أية إضافة ، فإن استجاب الناس وإلا فواجبنا بذل المزيد من الجهد ، وبدل أن ننزل ديننا إلى مستوى الناس يجب أن نرفعهم إلى مستواه ، وليس علينا بعد الدعوة والتبليغ مسؤولية الهداية ، لأن الهداية من عند الله .
اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ من رسله ، كالذين سبق ذكرهم من أولي العزم الذين فضلهم الله على سائر أنبيائه ، وهم نوح شيخ المرسلين الذي قدمه السياق لأنه أول نبي عقد عزمات قلبه على إبلاغ رسالة التوحيد ، بتلك الصعوبات المعروفة وعبر ( 950 ) عاما ، وذكر بعده نبينا محمد صلى الله عليه وآله لأنه الأعظم من بين أولي العزم ، ثم جاء ذكر الأنبياء الثلاثة بالترتيب الزمني إبراهيم ثم موسى ثم عيسى عليهم السلام .
وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ من سائر عباده . ولكي نصل إلى هذا المستوى لابد أن نئد غرور أنفسنا ، ونقاوم كبرياءها ، ونزكيها تزكية نستطيع من خلالها أن نخرج عن شحها ، وحينئذ سوف يجتبينا الله .
من هدى القرآن — صفحة 359
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٩