تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
شأنه مع المؤمنين فإذا به ينقلب على عقبيه . وهذا الإنسان قبل اختياره لطريق السعير كأي بشر فيه الخير والشر ، ولكنه بهذا الاختيار الخاسر يسلب منه عون الله وتوفيقه فيتمحض في الشر ، ولهذا ترى أولياء الله المخلصين يلحوُّن على الله بأن لا يكلهم إلى أنفسهم ، ولا يقطع عنهم توفيقاته . يقول ابن أبي يعفور : [ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِالله عليه السلام يَقُولُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ : رَبِّ لَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ أَبَداً ] « 1 » . وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ يشفع لهم ، ويخلصهم من العذاب . . وَلا نَصِيرٍ يعينهم ، ولعل في هذا المقطع من الآية إشارة إلى حقيقة مهمة : أن الظالم لا يضر بنفسه فقط عندما يتخذ من دون الله أولياء ، ويتبع الجبابرة ، بل ويظلم الآخرين أيضا ، ذلك لأنه باتباعه الظالم - بل محض السكوت عنه - يساهم في سيطرته على الآخرين . ولعل الآية تهدي أيضا - عندما استخدمت كلمة الظالمين - أن لا عدالة في غير ولاية الله ، وأن لا نجاة من الظلم إلا بالعودة إليها ، فما للظالمين من ولي ولا نصير . . فمن رضي بحكومة الظالمين اكتوى بنارهم ، ولا يستجاب دعاؤه في الخلاص منها . وبالرغم من أن لفظة الظالم قد يتسع مدلولها ليشمل كل منحرف إلا إن انتخابها متناسب والسياق الذي يحدثنا عن الولاية ، وبتعبير معاصر أي القيادة وما تتبعه من فض الصراعات إما بعدالة أو بظلم . [ 9 ] بلى ، إن الكافرين والمشركين اتخذوا أولياء من دون الله ، ولم يدركوا بأنه وحده الولي الحقيقي للإنسان ، وصاحب القدرة المطلقة . أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ لأن إليه مصيرنا ، وهو القاهر علينا . وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أما الأولياء والأنصار المزعومون فإنهم لا يقدرون على شيء إلا بقدر ما يريده الله لهم ، فهم محدودون ، والأولى بالعاقل أن ينتمي إلى صاحب القدرة المطلقة فعنده تتحقق طموحاته ، ويصل إلى أهدافه . [ 10 ] ويبيِّن ربنا معنى الانتماء الحقيقي لولاية الله ، بأنه ليس مجرد الادعاء ، والتمني في القلب ، وحتى طاعة الله في الأمور الاعتيادية التي لا تكلف الإنسان جهدا ولا مصلحة ولا تنازلا ، إنما التسليم لهذه الولاية في كل شأن ، وبالذات عند الصراع ، حيث يتشبث الواحد بفكرته وموقفه ، وتثار فيه ذاتياته وعصبياته . وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ أنى كان هذا الشيء ، وفي أي جانب من جوانب الحياة . . فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ يستوحى من كتاب الله ، ومن أودع قلبه علمه من أئمة الهدى عليهم السلام وأتباعهم الفقهاء ، العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه . ثم يقول القرآن عن لسان الرسول وكل مؤمن يسلم لآياته : ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 581 .