تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
كان من الممكن أن يخلق الله البشر بصورة واحدة لا اختلاف بينهم ، وأن يجعلهم كلهم من أصحاب الجنة ، ولكنه تعالى ترك الإنسان يختار مصيره بإرادته بعد أن أوضح له سبيل الغي ، وهداه إلى سبيل الرشاد . وهكذا يؤكد القرآن مبدأ الحرية التكوينية التي جعلها الله للبشر ، والتي صبغت حياتهم بصبغة الصراع الأبدي بين الحق والباطل . فبينما يتبع فريق منهم ولاية الله ، يتبع الفريق الآخر الظالم لنفسه ولاية الشركاء المزعومين ، فالسبب الرئيسي لضلالة البشر وما يثير بينهم الخلاف من الحروب التي تنتهي إلى الدمار والتخلف هو تركهم ولاية الله ، وتشبثهم بالأولياء من دونه . أما الخلافات الخارجة عن إطار صراع الحق والباطل - كالخلاف بين أهل الحق أنفسهم - فهي غير مشروعة ، إذ لا بد من حلها بالعودة إلى قيم الرسالة ومن يمثل ولاية الله في الأرض ، ومن الناس من يدعي الإيمان ولكنه يتولى غير الله ، وإنما آية إيمان المرء أن يرد ما تنازع فيه إلى الله والى رسالته ورسله ، ثم يتحدى الضغوط ، ويتوكل على الله ، ويتضرع إليه ويتعوذ بحوله وقوته من شياطين الإنس والجن الذين ينزغونه في الاتجاه الخاطئ . وولاية الله في المجتمع تجل لولايته في الكائنات فهو الذي فطر السماوات والأرض ، وخلق البشر أزواجا وكذلك الأنعام بهدف تكثير الخلق وانتشارهم ، وهو المحيط بهم علما وبيده مفاتيح الرزق ، فيبسط لمن يشاء ، ويقدر على من يشاء بحكمته البالغة ، لأنه بكل شيء عليم . بينات من الآيات : [ 8 ] الاختلاف بين أهل الحق وأهل الباطل جزء من سنة الله في الحياة ، ليس لأنه تعالى يريد أن يكون بعضهم من أصحاب النار والبعض الآخر من أصحاب الجنة ، بل لأنه أعطاهم حرية الاختيار ، ومقتضى هذه الحرية أن يتبع البشر أحد الخيارين . وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وهذا لا يتفق مع طبيعة الحياة وسننها ، وهدف الخلق . وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وهم المؤمنون الذين يأخذون بأسباب الهداية فيوفقهم الله لبلوغها ، والآية تحذرنا من الاغترار بإيماننا ، وذلك بالتأكيد على كونه من عند الله وبتوفيقه . كما تبيِّن لنا الآية بأن الآخر الذي يختار طريق النار ، إنما يدخلها بإرادته ، وبإيكال الله له إلى نفسه حيث يمنع عنه توفيقه ، فلا يحفظه من نوازغ الشيطان ، ولا من ضغوط الحياة ، كما هو