تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وهذا تأكيد لانتمائه إلى ولاية الله في مقابل اتخاذ أولئك الأولياء من دونه ، إذن فهو على عكسهم يستجيب لحكم الله ، ونتساءل : لماذا يؤكد القرآن ضرورة التوكل على الرب هنا ؟ .
والجواب : لأن الكثير من الناس يزعمون بأنهم حينما يتنازلون للآخرين عند الاختلاف استجابة لحكم الله وأوليائه ، فإنهم يعرضون أنفسهم للمخاطر ، لأن الطرف الآخر عندها سوف يتصرف من موقع صاحب الحق ، ويستغل انتهاء الخلاف في صالحه والإضرار بهم . إن هذا الشعور من وساوس الشيطان الذي يريد من خلالها تضخيم الاختلافات الاجتماعية ، وتفتيت الأمة الواحدة ، وكم من مظلوم أصبح أكثر جورا من ظالمه بسبب هذا الشعور الذي يثير في الإنسان ذاتياته السلبية ! .
ولكي يقاوم الإنسان هذا الضغط يحتاج إلى قوة نفسية كبيرة حتى لا يخشى من المستقبل بتطبيق الحق ، وهذه القوة يستمدها المؤمن من التوكل على الله والعودة إليه . ومن جهة أخرى إن التسليم لولاية الله يقتضي مواجهة الحكومات الظالمة ، وهي بدورها بحاجة إلى استقامة عبر التوكل على الله .
[ 11 ] ويعالج القرآن الاختلاف من زاوية أخرى حينما يذكرنا بأنه من طبيعة الحياة ، التي تأبى اللون الواحد ، الأمر الذي يجعل الإنسان غير قادر على صبغها كلها لمزاجه وطبيعته الخاصة ، ولكنه عبثا يسعى لبلوغ هذه الغاية فترى البعض يريد التحدث لكل الناس بلغته القومية ، أو أن يقلدوا عاداته ، فإذا لم يستجيبوا له أبغضهم . فالرومان صاروا يسمون غيرهم بالبرابرة أي المتوحشين ، واليهود عَدُّوا أنفسهم الشعب القارئ بينما عَدُّوا الآخرين أميين لا يفقهون شيئا ، أما مدَّعو الحضارة الحديثة فإنهم يعتقدون بوحشية الشعوب غير الآرية . هذا من طبيعة الإنسان فهو يريد العالم كله لونا واحدا هو لون شخصيته وتطلعاته ، والقرآن يؤكد هنا الاختلاف الطبيعي في الحياة ، ويذكر الإنسان بعجزه عن رفع أقرب الاختلافات إليه ، وهو اختلافه مع زوجه . ولكن القرآن الكريم يقرر مبدأ الاختلاف بين حقائق الخلق ، وعلينا الاعتراف به ، والتعرف إلى حكمة الله فيه ، والسعي وراء تلك الحكمة ، وحكمة الاختلاف التكامل ، وليس الصراع ، فلقد جعل الله البشر شعوبا وقبائل بهدف التعارف وليس التدابر والتباغض ، وخلق الزوجين الذكر والأنثى ليتكاملا ، ولعل هذا أبرز أمثلة الاختلافات الفطرية .
فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً وهذا في صالح الإنسان ، وبيان القرآن لانشطار الأنثى من نفس الذكر ، جاء لضرب الأفكار
من هدى القرآن — صفحة 355
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٥