نار جهنم . وهذه النار التي تذيب الحديد ، صورة مخفضة سبعين مرة عن نار جهنم . ولعله حتى الحرارة التي يولدها تفجير قنبلة ذرية هائلة فتحول الصخور دخانا خلال أقل من ثانية ليست سوى لهيب من نار جهنم ، التي هي أشد حرا مما نتصوره في الدنيا . . وحتى الحرارة الموجودة في مركز الشمس المتناهية الشدة لا تقاس بنار جهنم . أوَلا نقرأ في النصوص أن الشمس تلقى في جهنم فتصرخ من حرها ؟ ! .
فهل تتحمل العظام الناعمة ، والأجسام الترفة ، والجلود الرقيقة ، والأعصاب الحساسة ، ذلك العذاب الرهيب الذي يحول ساكنيه إلى شعلة متقدة ؟ ! نعم ، هكذا يفعل العذاب بالكافرين ، فهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، يقول تعالى : إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا [ طه : 74 ] ، كما وإنه لا يغمى عليهم ، كما يحدث للمعذب أو المصاب بآلام في الدنيا ، ولا يعطون إجازات يتخلصون فيها من عسر البلاء ، ولا تجري لهم عمليات جراحية ليتماثلوا للشفاء من أمراض العذاب ، ولا تقدم لهم مهدئات لتسكن نفوسهم ويكفوا عن الصراخ . وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ آنئذ سيلاقون العذاب الأكبر . فَهُمْ يُوزَعُونَ يتقسمون ، ويلقى كل واحد منهم في سجنه المخصص له .
[ 20 ] كل ذلك العذاب الغليظ المهين ينتظر أولئك الذين عادوا ربهم ، فلم يتبعوا رسله ، وخالفوا أوامره وسننه ، وتجاوزوا حدوده ، في الوقت الذي أطاعت الكائنات جميعا ربها ، واتبعت سننه التي قدرها فيها . وحتى أعضاء جسد الإنسان تتبع سنن ربه ، لولا أنه قد سخرت له بعض الأيام في الدنيا لينظر كيف يعمل بها ، وفي يوم القيامة حيث بسلب منه هذه الحرية المحدودة تنقلب عليه أعضاء جسده فتكون شاهدة عليه على شفير جهنم . حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إن من الذنوب ما ترتكب بالأذن ، كسماع الغيبة والغناء ، وما يرتكب بالعين ، كالنظر إلى المحرمات ، وقراءة كتب الضلال ، وما ترتكب عن طريق الجلد ، كالزنا ، وهذه الجوارح ستشهد على الإنسان يوم القيامة .
[ 21 ] يا لهول المفاجئة ، ويا لصدق الشاهد ! وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا كيف تشهدون علينا ؟ ! كيف ونحن حملناكم مدى حياتنا ؟ ! كيف ونحن نلبس الملابس الناعمة من أجلكم ؟ ! كيف ونحن كنا نحميكم من شدة البرد في الليالي القارصة ؟ ! كيف ونحن كنا نقيكم الحر ؟ ! قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ومن هذا المقطع في الآية يتضح أن لكل شيء شعورا - كما قلنا - وإذا شاء الله أعطاه القدرة على النطق بلغة الإنسان حتى يفهم ، وإلا فهو يملك شعورا . وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
من هدى القرآن — صفحة 303
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٣