شيء حي .
ولقد ذكرتنا فاتحة هذا الدرس بهذه البصيرة ، وأن الردَّى الذي هوى إليه أولئك الخاسرون كان بسبب ظنهم السيئ بربهم فلم يقدروه حق قدره ، ولم يعرفوه كما ينبغي ، وأنه يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [ غافر : 19 ] ، وأنه لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [ طه : 82 ] . والآن لا يجديهم الصبر راحة ، ولا العقاب خلاصا ، بل النار مثواهم أبدا . وبذلك الظن قيض الله لهم قرناء السوء من الشياطين ، من الأمام والخلف يزينون لهم سوء أعمالهم ، حتى لا يهتدوا أبدا . ذلك لأنهم تركوا الاعتصام بحبل الله المتين ، وقالوا لبعضهم : لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ بإحداث أصوات مزعجة لكي لا يسمعه الآخرون وذلك لغاية لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .
وحين يفرغ القلب من ذكر الله تهجم عليه الشياطين ، وهكذا يذيق الله الذين كفروا عذابا شديدا ، ويجزيهم أسوأ عمل عملوه حين تتمثل السيئات بألوان من العذاب ، وذلك جزاؤهم بما عادوا ربهم أنهم يدخلون النار خالدين فيها ، لأنهم جحدوا بآيات الله بعد أن استيقنتها أنفسهم . وفي الدنيا تراهم يطيعون قرناء السوء من الجن والإنس ، بينما هم في الآخرة يبحثون عنهم ليجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين لشدة غضبهم عليهم وبراءتهم منهم .
بينات من الآيات :
[ 22 ] لم يكن الكافرون يخافون - حين عصيانهم - من شهادة سمعهم وأبصارهم وجلودهم عليهم ، بل إنهم لم يكونوا يتصورون شهادتها عليهم ، إذ كيف تشهد عليهم هذه العين المطيعة لأوامرهم ، وتلك الأذن والجلود التي راعوها وحافظوا عليها ؟ ! .
بلى ، إنها لن تسمع أوامرهم في الآخرة ، بل وستشهد عليهم شهادة الحق . ثم إنهم حتى ولو عرفوا في الدنيا بشهادة الجوارح عليهم لا يقدرون على التخلص من رقابتها ، لأن الإنسان يتمكن من ستر أعماله وحجب تصرفاته حتى عن أمه وأبيه ، ولكن كيف يسترها عن عينه أو يده أو جلده ؟ .
من هنا : إذا كانت شهود الله على الإنسان أعضاؤه ، فلا بد أن يخاف مقامه ، ويتقيه على نفسه . وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ يبدو أن معناه : إنكم لم تستتروا ، ولا كنتم قادرين على أن تستتروا . ولنفترض جدلا : أن الأعين والآذان والجلود لن تشهد على الإنسان أثناء الحساب ، فهل يعقل أن لا يكون الله شهيدا ؟ ! كلا . . فالله محيط علما
من هدى القرآن — صفحة 305
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٥