[ 16 ] ولكن هذا الجحود ، وذلك الاستكبار ، سبَبٌ في إرسال العذاب المهين عليهم ، متمثلا في ريح عاصفة ذات صوت وصرير . . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً وتلك هي المعادلة الحاكمة في الخلق ، من لم يستجب طوعا لرسول الرحمة والإنذار ، يستجيب كرها لرسل العذاب والعاصفة . . فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً لم يكن فيها ذرة من السعد . . لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ هكذا كان العذاب في الدنيا مخزيا مهينا ، لأنهم كانوا يستكبرون ويتجبرون ، وأما العذاب في الآخرة فهو أعظم خزيا ، وأبقى ألما . وإن شدة عذاب الله في الدنيا ، وهول وقعه على الكافرين ، تهدينا إلى أمرين :
أولًا : هول عذاب الله في الآخرة ، وتناهي شدته بما لا يمكننا تصوره .
ثانياً : صرامة سنن الله وكيف تدمر الذين يكفرون بالله شر تدمير ، بلى ، لقد جاءت السماء والأرض لربها طوعا قبل أن يؤتى بهما كرها ، فهلا نأتي ربنا طائعين من قبل أن تذهب بنا ريح صرصر عاتية ؟ ! .
[ 17 ] وَأَمَّا ثَمُودُ فقد بعث الله إليهم الأنبياء ، وزودهم بالآيات المبصرة ، ومن عليهم بالهداية . . فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى لقد بعث الله إليهم صالحا فآمنوا به ، ولكنهم انحرفوا بعدئذ عن طريق الرشاد . بلى ، إن الطريق كان واضحا أمامهم ، والحقيقة ظاهرة كالشمس في كبد السماء ، ولكنهم أغمضوا أعينهم ، وقالوا : نحن لا نرى ، فماذا كان مصير كفرهم بعد الإيمان ؟ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ نزلت عليهم - كما نزلت على عاد - صاعقة العذاب ، المشبعة بالخزي والإهانة ، والسبب واضح : بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ لا لضآلة في مغفرة الله ، لأنها أعظم من ذنوبهم ، ولا لضيق في رحمته ، لأنها وسعت كل شيء ، ولكن لأنهم أبعدوا أنفسهم عن الرب الرؤوف الرحيم بما اجترحوه من سيئات .
ونستوحي من هذه الآية أن كفر ثمود يختلف عن كفر عاد ، فعاد كفروا بكل شيء ، رأسا ، وأما ثمود فآمنوا بالرسول والرسالة ، ولكنهم فعلوا ما يتناسب والكفر ، من عقر الناقة ، ومخالفة أوامر الرسول فيما يتعلق بها ، فما كسبوه كان خاطئا . ولهذا يقول الله سبحانه : فَهَدَيْنَاهُمْ أي اهتدوا فكريا ونظريا فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى أي انحرفوا عمليا وسلوكيا ، وهذا يُعَدُّ عمى ، كالذي زوده الله بالبصر ، ولكنه لا ينتفع به فيقع في الحفرة . ومن هنا نعرف أن عذاب الله يقصم ظهر من يخالف سننه في الخليقة التي تكشفها أحكامه في الشريعة ، سواء آمن بها وخالفها ، أم كفر بها رأسا ، فالذي يناطح الصخرة ينفلق رأسه سواء آمن بهذه الحقيقة أو كفر بها . وفي ذلك تحذير لأمة النبي محمد صلى الله عليه وآله أن مخالفتهم لرسالته نظريا أو عمليا تجر إليهم الويلات .
من هدى القرآن — صفحة 301
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠١