تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
[ 18 ] وبين هؤلاء المنحرفين - الكافرين عمليا - كانت هناك مجموعة من المؤمنين الصادقين ، أنجاهم الرب ، وكان سبب نجاتهم هو تقواهم واجتنابهم ما ارتكبه الآخرون من الجريمة والفحشاء . وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ويذكر الرواة في تفسير هذه الآية قصة مفيدة هي كما روى ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن عساكر : [ أَنَّ عُتَبَةَ بنَ رَبْيعَةَ ، وَكَانَ أَشَدَّ قُريَشٍ حُلْماً ، قَالَ ذَاتَ يَومٍ وَهُوَ جَالسٌ فِي نَادِي قُرَيشٍ ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله جَالِسٌ وَحْدَهُ فِي المَسجِدِ : يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ ، أَلَا أَقُومُ إِلَى هَذَا فَأُكلِّمُهُ فَأعْرضُ عَلَيهِ أُمُوراً لَعلَّهُ أَن يَقبَلَ مِنْهَا بَعْضَهُ ، وَيَكُفَّ عَنَّا ؟ قَالُوا : بَلَى يَا أبَا الَولِيدَ . فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله فَذَكَرَ الحَدِيثَ ، فِيمَا قَالَ لَهُ عُتْبَةُ ، وَفِيمَا عَرَضَ عَلَيهِ مِنَ المَالِ والمُلْكِ وَغَيرَ ذَلكَ ، حَتَّى إِذا فَرَغَ عُتْبةُ قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله : أَفَرغْتَ يَا أبَا الَوليدِ ؟ قَالَ : نَعَم . قَالَ صلى الله عليه وآله : فَاسْمَعْ مِنِّي ، قَالَ ، أَفْعَلُ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله : حم ( 1 ) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . فَلَّما سَمعَهَا عُتْبةُ أَنْصَتَ لهَا ، وَألقَى يَدَيهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ، مُعْتَمداً عَلَيهِما يَسْتَمعُ مِنْهُ ، حَتَّى انْتَهَى رَسُولُ اللِه صلى الله عليه وآله إِلى المَسْجِدِ فَسَجَدَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وآله : سَمَعْتَ يَا أبَا الَولَيدِ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ ، قَالَ صلى الله عليه وآله : أَنْتَ وَذَاكَ . فَقَامَ عُتْبةُ إِلى أْصحَابهِ ، فَقَالَ بَعْضُهمُ لِبَعضٍ : نَحْلِفُ بِاللهِ لَقَدْ جَاءَكمُ أَبوُ الَوليدِ بِغَيرِ الوَجْهِ الذِي ذَهَبَ بِهِ ، فَلَّما جَلَسَ إِلَيهم قَالُوا : مَا وَرَاءَكَ يَا أبَا الَوليدِ ؟ قَالَ : وَاللهِ إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ قَولًا مَا سَمِعْتُ بمِثلِهِ قَطُّ ، وَاللهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ ، وَلَا بِالسِّحرِ ، وَلَا بِالكَهَانَةِ ، وَاللِه لَيكوُنَنَّ لِقَولهِ الّذِي سَمِعْتُ نَبَأ ] « 1 » . [ 19 ] وأما العذاب في الآخرة فهو الأكبر والآلم ، والأشد والأبقى ، وما أصاب الكافرين من عذاب في الدنيا ، لا يقاس بذرة من عذاب الآخرة إطلاقا ، لأنها تحمل عنصري الشدة والبقاء وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [ طه : 127 ] . من تطوَّف في المستشفيات وبالذات التي تأوي الحالات الصعبة ، أو زار ساحات القتال وشاهد المناظر الرهيبة ، ثم دار على المناطق المنكوبة ببركان تفجر فسال لعابه النحيس على القرى المحيطة فأذابها ، أو بسيول عارمة اقتلعت في طريقها الأشجار ودمرت القرى . . أقول مثل هذا الإنسان يعي - بعض الشيء - معنى العذاب في الدنيا ، وفظاعته ، وبشاعة مناظره . . ولكن كل ذلك العذاب ، وكل تلك الويلات والمآسي ، تُعَدُّ تافهة إذا ما قيست بعذاب الآخرة ، وهول ما يجري فيها ، ودوامه . بلى ، إن عذاب الدنيا يهدينا إلى وجود العذاب الأخروي ، وجانبا من حقيقته . . الحمى وآلامها التي قد تعتري الجسم فتحوله إلى خرقة بالية ! ليست سوى لفحة من
هامش
( 1 ) الدر المنثور للسيوطي : ج 5 ، ص 364 .