بالبشر ، ومطلع على خفياته التي ليس لأحد سبيل إلى معرفتها سواه سبحانه .
إن الله سميع بصير ، عليم خبير . . ولو شعرنا بذلك ، وأنه يحصي أنفاسنا ، ويعلم خطرات قلوبنا ، وأن كل كبير وصغير مستطر ، لما ارتكبنا السيئات . . وإنما يفلت من شَرَكِ الخطايا ذلك المخلص المتحسس رقابة الله عليه ، وعلم يقينا أنه عز وجل أقرب إليه من حبل الوريد ، فيحوطه الله بالتوفيق . فالسبيل أن نتذكر شهادة الله حتى نفوز برقابة ذاتية على أنفسنا فلا ننحرف . وأما الكافرون فهم بعيدون عن هذه الحقيقة ، فهم يظنون بربهم ظن السوء ، فمثلا قد يظنون أن الله يعلم فقط ظاهرا من أقوالهم وأعمالهم فيزعمون أنهم قادرون على تبرير سيئات أفعالهم وفاحش أقوالهم أمام ربهم ، بأن يقول الواحد منهم : إنني كنت مجبورا ، أو مضطرا إلى السيئة ، أو عملتها من دون وعيي وإرادتي . كذلك يبرر المجرمون قبل ارتكاب الموبقات سيئاتهم لأنفسهم ، ويختلقون الأعذار التي يزعمون أنها تغنيهم عن العقاب أو الجزاء ، ولو عرفوا أن الناقد بصير ، وأنه لا تخفى عليه خافية ، لارتدعوا .
وما دام الإنسان يعلم أن تبرير عمله للناس ليس بحق لأن الله يعلم به ، فهو يرجى صلاحه ، لأن في قلبه لا تزال مسافة بين الحق والباطل ، وأما إذا وصل إلى مستوى يختلط في قلبه الحق والباطل ، وأن التبرير الذي يختلقه للناس يستطيع أن يخدع به ربه ، فقد هوى ولا أمل في نجاته . ومثل هذا الصنف كثير ، وإنهم ليأتون يوم القيامة ربهم ، فيوقفهم للحساب ، فيشرعون في طرح أعذارهم التي تشبثوا بها في الدنيا ، بعضهم يقول : كنت مكرها ، ويقول الآخر : كنت مستضعفا ، ويقول ثالث : لم أرد إلا الخير ، وهكذا ، ومن الناس من ينكر كل أفعاله السيئة ، ويحلف على ذلك بالأيمان ، يقول الرب : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمْ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ( 22 ) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 22 ، 23 ] .
وعن المبررين يقول : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً [ النساء : 97 ] .
وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ لعل مرادهم أن الله لا يعلم السر والخفيات ، وإنما يرى ظاهر أعمالهم ، وقد ذكر المفسرون أن فريقا من الكفار اجتمعوا عند الكعبة ، فقال بعضهم : أتظنون أن الله يسمعنا ؟ فقال الآخر : بلى ، إذا رفعتم أصواتكم سمعكم ، وقال الثالث : إن من يسمع النداء يسمع النجوى ، فنزلت الآية .
من هدى القرآن — صفحة 306
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٠٦