ولعل الآية تشير إلى أن ربنا كان يجري سننه في الخليقة شاءت أم رفضت ، ولكنها خشعت لأوامر الله طوعا لا كرها ! ! فجرت سننه فيها بلا إكراه . . ويا ليتنا وعينا عبرة هذه الحقيقة ، وأجرينا أحكام الله على أنفسنا طوعا ورغبة في مرضاة الله .
ونتساءل : هل كان للسماء والأرض شعور حتى يخاطبهما الرب بهذه الصورة ؟ ينفي البعض ذلك بشدة ، ويؤولون كل الآيات التي توحي بذلك إلى خطاب الحال ، مثلا في هذه الآية يقولون : المعنى : أمرهما بالتشكل فامتثلتا طائعتين ، ويبقى سؤال : ماذا كان إذا الخيار الآخر أي أن تأتيا كرها ؟ أفلا يدل التقسيم إلى اختلاف طرفيه ، فهناك حركة طوعية وأخرى كرهية ، لم أجد من يجيب عن هذا النقاش ، ولكن باب التأويل لديهم واسع ، بيد أن الأقرب حمل الآيات التي توحي بإحساس الخلائق على ظاهرها أو صريحها ، لأن ما يدعونا إلى تأويلها مجرد استبعاد ، فلأننا لا نعرف كيف تم خطاب الله للأرض والسماء نقول لم يتم هذا الخطاب أبدا ، وأما ذلك أسلوب بلاغي في القرآن ، ولأننا لا نفهم كيف تسبح السماوات والأرض ، نقول : إن أهلها هم الذين يسبحون ، ولأننا لا نعي كيف عرض الله أمانته على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ، قلنا كلا . . إنه كان مجرد افتراض .
إن عشرات الآيات القرآنية وأضعافا منها من الأحاديث المأثورة عن المعصومين عليهم السلام ظاهرة أو صريحة في وجود الشعور - بقدر ما - لسائر الخليقة ، يتجلى في يوم القيامة عندما يستنطقها الله ، فهل يجوز أن نضرب بها عرض الجدار لمجرد أننا لا نعرف كيف ذلك ؟ إن من الجهل أن ننكر شيئا لأننا لم نحط علما بتفاصيله ، ومن العقل أن نؤمن به ثم نبحث عن تفاصيله بروح إيجابية .
بلى ، إننا كبشر لا يمكننا بالوسائل المتاحة لنا - الآن - أن ندرس الأحياء والأشياء من باطنها ، بل من خلال الظواهر التي تهدينا إلى واقعها وحتى فيما بيننا كبشر هل يستطيع زيد أن يدرس نفسية عمرو كما يدرس هو نفسيته ؟ كلا . . إنما الظواهر تدل عليها ، وإذا اتبعنا هذا المنهج لعلنا نبلغ الواقع . . فما هو الشعور ؟ وما هي الظواهر التي تدل عليه ؟ يبدو أن الشعور هو الجهاز المنسق بين الشيء والمحيط الذي هو فيه ، فنحن نملك هذا الجهاز بفضل الحواس التي تنقل إلى المخ الإشارة عبر الأعصاب ، وهناك تقوم مجموعة أجهزة الدماغ بتحليل الإشارات وإصدار الأوامر المناسبة بشأنها ، ولا ريب من وجود مثل هذا الجهاز - ولو كان غير متطور - عند سائر الأحياء ، بل وفي النباتات التي تنسق وضعها - بصورة وبأخرى - مع بيئتها بفضل نواتها المركزية ، بلى ، نحن لم نكتشف مثل هذا الجهاز عند الجمادات ، ولكن يحق لنا أن نتساءل عنه بعد علمنا بوجود قدر كاف من التنسيق بين جميع الكائنات ، ولو افترضنا قوة الجاذبية
من هدى القرآن — صفحة 296
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٦