ومن مصاديق البركة الأقوات التي قدَّرها الرب في الأرض ، حيث أودع التربة المواد الكيماوية النافعة للزراعة ، كما خزن في الجبال المعادن المختلفة من الحديد والذهب والفضة وأنواع الأحجار الكريمة والصخور المفيدة ، كما خلق في أعماق الأرض بحيرات النفط والغاز ، كما أودع فيما حول الأرض حاجتنا من الهواء الذي نتنفس من أوكسيجينه ، ويتغذى النبات من كربونه ، ومن أكسيد كربونه ، كما ضمنه النتروجين الذي يخفف من وطأة الأوكسجين ، وأجرى فيه تيارات رطبة لتلطيف الجو . . وأرسل الرياح في الجو مبشرات برحمته ، حيث تحتمل السحب المتراكمة إلى الأراضي المتباعدة ليسقيها الرب حاجتها من الماء .
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قالوا : معناه يومان لخلقة الأرض ويومان لتوفير الأقوات فيها ، ويحتمل أن تكون خلقة الأرض قد تمت في يومين ، وقد تمت خلقة السماء وتهيئة الأرض في يومين بالتزامن ، ثم استمرت عملية تمهيد الأرض ليومين آخرين ، فيكون المجموع ستة أيام ، حيث إن الآيات القرآنية صريحة في أن خلقة السماوات والأرض قد تمت في ستة أيام ، والله العالم .
وهنا وقفة اعتبار ، لقد خلق الأرض على عظمتها في يومين فقط ، بينما قدَّر فيها أقواتها في أربعة أيام . أفلا يدل ذلك على أن نعمة تهيئة الأرض للحياة أعظم من نعمة خلقها ، بلى ، فقد اكتشف العلماء مزيدا من الأجرام السماوية ، ولكن حتى هذه اللحظة لم يكتشفوا شيئا من آثار الحياة فيها ، مما يهدينا إلى عظمة النعم التي أسبغها الرب لأهل الأرض حتى تهيأت لحياتهم . أفلا نشكره سبحانه ؟ !
سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ فكل المحتاجين إلى الأقوات يتساوون في الحصول عليها ، لأنها متوفرة في كل مكان ، فليس الهواء والأرض والمعادن قليلة حتى يستأثر بها قوم دون آخرين ، بل الناس فيها شرع سواء . كما أن معرفة هذه الحقيقة متوفرة لكل السائلين . ويحتمل أن يكون التساوي في الأيام التي هي الدورات التي مرت بالأرض ، والله العالم .
من هدى القرآن — صفحة 293
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٣