خلق السماء بعد الأرض ، بينما النظريات العلمية ترى العكس ، ويقول ربنا في سورة النازعات : ءأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا ( 27 ) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ( 28 ) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ( 29 ) وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ( 30 ) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [ النازعات : 27 - 31 ] .
أجاب البعض : إن ثم للتعقيب البياني ، أي ثم اسمع قصة السماء وهي كيت وكيت .
وقال البعض : إن الله خلق الأرض أولا وخلق السماء ثانيا ، ولكنه إنما دحا الأرض بعد خلق السماء ، كما تدل الآية في سورة النازعات ، وعلى ذلك تدل أيضا بعض النصوص الإسلامية .
ويبدو لي أن المراد من السَّمَاءُ هنا الهواء المحيط بالكوكب وليست الأجرام الموجودة في السماء . . وَهِيَ دُخَانٌ ذات طبقات سبع ، ولكل طبقة أمرها ، وعلى ذلك فيكون خلقها بعد خلق الأرض ، ويكون معنى قوله سبحانه في الآية التالية : وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً أن الله جعل السواد المحيط بالكرة الأرضية بطريقة نرى النجوم التي خلقها في صورة مصابيح ، كما جعلها حفظا بما خلق فيها من غازات خاصة .
باء : وتساءلوا : ماذا يعني اسْتَوَى فقالوا : إن ربنا قصد وتوجه إلى السماء ، ويبدو لي أن كلمة الاستواء تعني معنى القيام والاهتمام والقصد ( بإضافة معنى إلى ) والهيمنة ، وكلها مرادة في هذه الجملة ، ولكن بالطبع من ملاحظة استخدام الكلمة في مقام الربوبية المقدس عن أية همهمة أو تجوال فكرة أو حركة ، سبحانه .
جيم : ثم تساءلوا عن الدخان فقالوا : إنه غازات ، وإذا قلنا بأن المراد من الآية كل ما في السماء ، فإن الآية تشير إلى المرحلة السديمية السابقة لتكون الأجرام الفضائية ، حيث تجمعت وتركزت بعد ذلك في صورة نجوم ، ولا تزال كميات كبيرة منها منتشرة في الفضاء يقدرها الخبراء بمثل الكمية التي خلقت منها النجوم ، ولا تزال النجوم تكنس الفضاء من هذه الجزيئات السديمية باجتذابها إليها ، ولكنها أكثر بكثير من قدرتها على الجذب ! .
فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ولماذا لا تستجيب السماء والأرض لمشيئة الله الذي خلقهما بفضله ، وأودع فيهما آياته ، وجعلهما محلا لعبادة المكرمين من ملائكته وأرواح أوليائه ، بلى ؛ إنهما وسائر الكائنات تستجيب للرب طواعية ، سعيا وراء مرضاته ، وامتنانا لرحماته ، وشكرا لبركاته ، قبل أن تستجيب له خشية غضبه ، ومخافة سطواته ، وقد يقول : تجلي رحمة الله في الخلائق أبهى من تجلي عزته ، وقد سبقت رحمته غضبه ، سبحان الله رب العالمين .
من هدى القرآن — صفحة 295
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩٥