تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
توسع الديانات السماوية والمزيد من التوجه إلى تعاليمها . بلى ، إننا قد نجد مصير بعض الدعاة الشهادة أولا أقل الاعتقال والتهجير ، فأين النصر منهم ؟ ! أولم يقتل السبط الشهيد بكربلاء ؟ ! كما قتل المئات من أنصار الحق بعد استتباب الأمر للأمويين ؟ ! بلى ، ولكن النصر المطلوب ليس دائما انتصار الأشخاص ، بل قد يفدي الشخص نفسه لدينه وقيمه راضيا مسرورا ، وقد عبر أحد الشعراء عن هذه الحقيقة فيما يتصل بالإمام الحسين سيد الشهداء عليه السلام :
إن كان دين محمدٍ لم يستقم * إلا بقتلي فيا سيوف خذيني
وعندما سقط بطل الطف عن جواده مثخنا بالجروح البليغة ، وحوله تناثرت جثث أهل بيته وأصحابه ، وفي الأفق صيحات أطفاله : العطش العطش ، وعويل النساء والثكالى ، حينذاك جمع حفنة من التراب ، ووضع خده عليها ، وناجى ربه قائلا : [ إِلهَي صَبْراً عَلَى قَضَائِكَ لَا مَعْبُودَ سِواكَ يَا غِيَاثَ المُستغِيثيِن ] « 1 » . بلى ؛ إنه كان يعلم أن السبيل الوحيد لحمل الرسالة إلى القلوب هو استشهاده ، وأن قطرة الدم أبلغ أنباء من الكتب والخطب . ولا يزال السبط الشهيد عالما يستلهم منه أبناء أمتنا البطولات ، وينتصرون لدينهم بأنفسهم ، وكأين من مؤمن اعتلى عرش المشانق مطمئنا راضيا لتنتصر قيمه المقدسة ، وكأين من مجاهد آثر الشهادة على الحياة ليعلوا بناء الحق والعدل ، ولتقوض أركان الظلم والفساد . وسؤال أخير : كيف ينتصر الرَّب لرسله والمؤمنين ؟ . ليس بالضرورة أن يكون بصورة غيبية ، مما نجدها في طوفان نوح ، وتحول النار لإبراهيم إلى برد وسلام ، وعصا موسى ، وإحياء الأموات عند عيسى ، وتأييد رسولنا الأكرم بالملائكة المسومين ، صلى الله عليهم جميعا . بل قد يكون عبر السنن الجارية في الخليقة ، ذلك أن سنن الله الحاكمة في الكائنات قائمة على أساس الحق ، إذ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [ الأنعام : 73 ] ، ورسالات الله تهدينا إلى ذلك الحق ، ورسل الله والمؤمنون مستقيمون عليه ، وتلتقي أفكارهم وأعمالهم عند نقطة الحق مع حركة الخلائق جميعا ، فلا جرم ينتصرون ، أرأيت لو أخبرت خصمك اللجوج أن الشمس تشرق بعد ساعة وكان حقا إنباؤك ، فعند الشروق تنهار مقاومته ، لأنها سنة الله ، ألا تتأخر الشمس عن شروقها لمجرد أن شخصا لجوجا يجادل في ذلك ، كذلك حين أنبأت رسالات الله أن عاقبة الظالمين الدمار بالرغم من أنهم يجادلون في ذلك ، إلا أنه في ساعة الدمار لا أحد قادر على إنكار الحق ، هكذا سنن الله تجري في الاتجاه الذي تهتدي إليه رسالات الله وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [ الأحزاب : 62 ] .
هامش
( 1 ) ينابيع المودة : ج 3 ، ص 82 .