يبدو لي أنه نزعة الألوهية في النفس ، حيث يزعم الإنسان أنه قادر على بلوغ درجة الألوهية بإمكاناته المحدودة ، وبعمره القصير . . ولعل سائر الخصال الذميمة تنبع من هذا الإحساس الخاطئ ، وبالرغم من أن الإنسان لن يحقق هذه الرغبة فإنه يتعب نفسه من أجلها حتى يكون من الهالكين ، وأبرز مثل لهذه النزعة الفراعنة والطغاة الذين ينازعون الله رداء العظمة ، وإنما أثار إبليس هذه النزعة في نفس آدم أبي البشر حين أطمعه في الخلود والملك الدائم .
وكفار قريش وكل الكفار في التاريخ والحاضر يتبعون هذه النزعة حين يرفضون التسليم للحق ، لأن تسليمهم للحق يفرض عليهم التسليم لقيمه وشرائعه ، ولمن يمثل تلك القيم وينفذ الشرائع من القيادات الإلهية . وإن العلم - أي علم - يفرض على صاحبه مسؤولية ولذلك فهو صعب مستصعب ، لأن احتمال المسؤولية أمر عظيم ، لذلك ترفض النفس البشرية الانفتاح أمام حقائق العلم إلا بصعوبة بالغة . ولكي نتخلص من جذر الفساد في النفس وهو هذا الكبر ، علينا أن نستعيذ بالله ، لأن الشيطان غوي مضل مبين ، وهو يتقن أساليب المكر والخداع ، ويعرف من أين يدخل في قلب هذا البشر الساذج ، ولولا الاستعاذة بالله تضعف النفس أمام وساوسه وأمانيه . فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فهو يسمع أقوال المتكبرين والمجادلين ويبصر أعمالهم ، كما يسمع همسات المناجين ربهم المستعيذين من مكر الشيطان ويبصر أعمالهم .
ونتساءل : كيف نستعيذ بالله ؟ .
أولًا : بالدعاء والمناجاة . والملاحظ أن المؤمن قد تهجم عليه أمواج البلاء أو صنوف الإغراء فيتردد قليلا في الأمر ، ولكنه بمجرد أن يدعو الله حتى يعطيه القوة الكافية لمقاومة الشيطان .
ثانياً : بمعرفة الله والتقرب إليه بذكره وتسبيحه والثقة بنصره .
[ 57 ] ومن الوسائل الناجحة لمحاربة كبر النفس النظر في عظيم خلق الله وقيامه بذاته ، فهل أنا المتكبر أكبر أم الجبال أم الأرض أم الشمس والقمر ؟ ! وأساسا : من أنا بالقياس إلى هذا الخلق العظيم ؟ ! لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ تعالوا لننظر إلى ملكوت السماوات والأرض ، لنتعرف إلى الحجم الحقيقي لأنفسنا ، أنا واحد من مليارات البشر يمشون اليوم فوق كوكبنا ، والإنسان واحد من ألوف الأحياء ، والأحياء نوع من عشرات الأجناس غير الحية ، ثم كل ما في الأرض لا تحتل إلا مساحة محدودة منها ، ثم إني لا أعيش عليها إلا سنين معدودات ، لو قيست بالملايين من سني عمر الأرض لكانت كلحظة خاطفة .
من هدى القرآن — صفحة 250
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٠