تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
ثانياً : الاستغفار الذي يسقط سدود الذنوب التي تمنع النصر الإلهي ، ويهيئ أرضية الفتح ، ويوجه الإنسان إلى نواقصه الذاتية لكي يصلحها وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ . ثالثاً : التقرب إلى الله بالمزيد من التسبيح والتقديس لمقام ربنا الكريم ، حتى لا نظن بربنا ظن السوء فيوسوس الشيطان في قلوبنا الشكوك حول وعده أو نفقد خلال المسيرة شيئا من عزمنا في تأييد دينه . رابعاً : التقرب إلى الله بحمده عشيًّا وبكوراً ، ذلك أن حمد الله يجعلنا نتبصر النعم التي أسبغها علينا فتمنع عنا القنوط والنظرة التشاؤمية وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ إن حمد الله يؤدي إلى تسبيحه ، فمن عرف أن ما تصيبنا من حسنة فمن عنده وما تصيبنا من سيئة فمن عند أنفسنا نزَّه ربه من النقص ونسبة السيئات إليه سبحانه . ولعل هذا أحد معاني الباء في قوله بِحَمْدِ رَبِّكَ فيكون الحمد وسيلة التقديس لربنا العظيم ، وهو أقرب من أن نجعل معنى الباء مجرد المعية ليكون المفهوم سبح واحمد ربك . [ 56 ] ولا بد أن نسلم لرب العالمين ، ومعنى التسليم له الإيمان بآياته والاحتراز من الجدل فيها ، فمن يجادل فيها انطلاقا من أهوائه وبغير سلطان مبين وحجة واضحة من عقله فقد استحوذ عليه الشيطان ، وأثار في نفسه الكبر الذي انطوت عليه حيث نازعت رب العزة رداء الألوهية فأخزاه الله ولعنه وأبعده عن تحقيق مناه . إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ المجادل في آيات الله يغلق منافذ قلبه عن النور . أوليست آيات الله في الطبيعة وآياته في الكتاب تجليات لظهوره وأمواج نوره ، فمن نظر إليها نظرة ذاتية دون أن يجعلها وسيلة لبلوغ غيرها أصيب بالعمى . أرأيتم الذي ينظر إلى المرآة ليعرف طولها وعرضها ، ولا يمكن أن ينظر إلى صورته فيها ، أورأيت الذي يلاحظ في علامات السير طبيعة خطها وطريقة صنعها ، لا ينتفع بإشاراتها ، كذلك عالم الطبيعة الذي يركز نظره في خصائص المادة دون أن يجعلها معبرا إلى أسماء الله . ومن الناس من عقد عزمه على ألا يعرف الحقيقة ، لأن الحقيقة تخالف ما انطوت عليه نفسه من الكبر ، بل إن مجرد التسليم لها يتنافى وحالة الكبر التي في قلبه . بلى ، إنما يجوز الجدال في آيات الله إذا كان يملك الإنسان الحجة الكافية من الله ، حينئذ يمكن تفسير آية أو تأويلها انطلاقا من تلك الحجة ، وأخذا بمبدأ النسخ في الآيات كما قال ربنا : مَا نَنسَخْ مِنْ آيَة [ البقرة : 106 ] . أما من لا يملك حجة وسلطانا ، فلا يجوز له إلا التسليم بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ويبدو أن المراد منه الوحي إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ما هو ذا الكبر الذي لا يبلغوه ؟ هل هو مطلق الكبر وحب الذات ، وهو النفس ؟ أم إنه أكبر من ذلك ؟
من هدى القرآن — صفحة 249 | السيد محمد تقي المدرسي