تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 248

مساهمون:

ص٢٤٨
والتجلي الأعظم لحقيقة رسالات الله لا يكون إلا عند قيام الساعة ، ذلك لأن الدنيا دار ابتلاء ، وستبقى فيها فرصة الإنكار أو الجدل لمن حقت عليه كلمة الضلال ، فحتى عصا موسى التي ابتلعت حبال السحرة لم تفحم فرعون الجاحد بل قال للسحرة : إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ [ طه : 71 ] ، وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [ الكهف : 54 ] . وهكذا ذكرتنا الآية هنا : أن النصر الشامل للرسل يكون عند انتهاء وقت الامتحان وحلول ساعة الجزاء . وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ هنالك الولاية لله والشهادة لأوليائه ، حيث يرى الناس المقام الكريم والمقام المحمود للرسل والمؤمنين حيث يقومون بالشهادة لهذا فيدخل الجنة وعلى هذا فيدخله الله النار . [ 52 ] أما الظالمون فهم الخاسرون إذ لا تنفعهم الأعذار التي عادة يبررون بها ظلمهم في الدنيا ، كما أنهم يلاحقون بلعنة الله والطرد عن بركاته ورحماته ، كما أن مستقرهم الأخير يكون النار . يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ . [ 53 ] لقد نصر الله المؤمنين من بني إسرائيل عندما هيأ لهم قائدا كريما كموسى بن عمران ، وزوده بالتوراة ، فيها هدى يحتوي على جملة القيم والتعاليم المباركة ، وفيها ذكرى ومواعظ لمن شاء أن يزداد قربا من ربه ووصولا إلى الحقائق التي هي اللباب والجوهر . وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ويبدو أن الوراثة هنا توحي إلى أمرين : الأول : أن الكتاب أعظم رأسمال وأكبر مجد ، وكان بمثابة المحور الثابت الذي تدور حوله فاعليات الأمة . الثاني : أن الكتاب ظل بينهم يرثه الجيل بعد الجيل بينما رحل عنهم قائدهم موسى عليه السلام . [ 54 ] ولم يكن وجود الكتاب بين بني إسرائيل بذاته مفخرة لهم بل الاهتداء به والتذكر بآياته وهذا كان خاصا بأولي الألباب . هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ . [ 55 ] ماذا ينبغي أن يقوم به الرسل والمؤمنون تمهيدا لنصر الله ، بل وثمنا مدفوعا سلفا لهذه النعمة الكبرى ؟ . أولًا : لابد من الصبر ، الذي يعني - بمعناه الشامل - الصبر في تنفيذ الأوامر ، والصبر عند الشدائد ، وبكلمة : السعي والاجتهاد الآن انتظارا للنتائج المستقبلية ، فمن كان عجولا ، وكان يفتش عن نتائج سريعة ، فإنه لن يبلغ مناه . . ورأسمال الصبر الإيمان بوعد الله ، وأنه حق لا ريب فيه . فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ .
من هدى القرآن — صفحة 248 | السيد محمد تقي المدرسي