تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
لقد اختلف العلماء والمفسرون في بيان هذه الآية ، فقال بعضهم : إن الموتة الأولى قبل دخول الإنسان في الحياة الدنيا ، حيث كان في عالم الأشباح حيا ثم مات ، ثم دخل الحياة الدنيا ثم يموت عند بلوغه أجله ثم يحيى للحساب والجزاء . وقال آخرون : إن الله يحيي الإنسان في قبره بعد الموت ليحاسبه حساب القبر ، وبعدها يميته ثم يحييه يوم القيامة للجزاء . وجاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال - في تفسير الآية - : [ ذَلِكَ فِي الرَّجْعَةِ ] « 1 » . وهناك تفسير آخر هو : أن الإنسان منذ أن خلقه الله لا يزال حيا ، وهذه الحياة الأولى التي وهبها الرب للأرواح تستمر مع الإنسان في الدنيا فلا موت ( إماتة ) قبل هذه الحياة ، ثم يوافي الإنسان أجله المتعارف في الدنيا فيموت ، بمعنى : أنه تنفصل روحه عن جسده ، وتبقى الروح في حالة الحياة ( الحياة البرزخية ) . وبعد هذا الموت يموت البشر - مرة أخرى - فتنعدم عنه الحياة تماماً - أي تموت الروح - وذلك حينما ينفخ في الصور النفخة الأولى ، وقد أشار القرآن الحكيم لهذا المعنى في سورة الزمر حيث قال : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [ الزمر : 39 ] ، وهذه هي الحياة الثانية التي تستمر مع الإنسان خالدة للأبد . وبين الحياتين والموتين تتجلى قدرة الله للبشر حيث لا يملك الكفار سوى الاعتراف بخطئهم ، وأنهم قد أحيط بهم من كل جانب بسبب الذنوب التي اقترفوها في الحياة الدنيا ، فيسألون الله بضراعة عن مخرج من مأزقهم . فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا وإننا لا نملك من أمرنا شيئا . فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ من النار . [ 12 ] وتجيبهم الملائكة بأنه قد كان يوجد مخرج واحد فقط من هذا المأزق ، وهو الإيمان بالله الواحد القهار والتسليم له وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [ الطلاق : 65 ] ، ولكنكم رفضتم الدخول فيه وضيعتم على أنفسكم الفرصة . ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا لأنكم كنتم تريدون إيمانا يبرر لكم شهواتكم ، ويعترف بواقعكم الفاسد وتصرفاتكم الخاطئة ، وهذا ما لا تجدونه في الدين التوحيدي الخالص ، مما يدعوكم لرفضه . فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ أما الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله فلن ينفعوكم أبدا لأنهم لا يملكون شيئا من الحكم . [ 13 ] وليس الله بعيدا عن البشر ولا مجهولا لمن يستثير عقله حتى يشرك به الإنسان ، فرحمته المعنوية التي تتمثل في الهداية مهيأة لنا في كل شيء وفي كل حين ، إذ كل شيء آية تهدينا إلى ربنا ، ورحمته المادية التي تتجسد في أنواع الرزق هي الأخرى تتنزل علينا من السماء وتحوطنا من كل جانب . ويبقى الإنسان مع ذلك يشرك بربه ولا ينتفع من كل ذلك ، إلا إذا كان مؤمنا
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 53 ، ص 56 .