تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
الدعاء ، وبحكمتك تستجيب أو لا تستجيب ، وهكذا ينبغي على من يدعو أن لا يحتم على الله بل يقدم دعوته ويثني على ربه وحسب . ويتوافق هذا الدعاء مع رغبة الإنسان حيث يتطلع إلى العيش مع أحبائه وأعزته في الدنيا والآخرة . وإنما تكتمل النعم عندما يجتمع الأحبة تحت ظلال نعم الله في الجنة . [ 9 ] ولا يبلغ البشر غاية مناه إلا إذا تخلص من سيئاته التي تتجسد يوم القيامة في صور شتى ، فمنها الظلمات الحالكة ، ومنها النيران الملتهبة ، ومنها العقارب والحيّات ، ومنها اقتران الشيطان ، وقد تبتلع سيئة واحدة عامة صلاة الفرد وصيامه ، وقد تتسبب في حبط أعماله الصالحة ونقص درجاته . وقد جاء في الحديث عن رب العزة أنه سبحانه قال : [ أَنَا المَالِكُ أَنَا الدَّيَانُ لَا يَنْبَغِي لَأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَعِنْدَهُ مَظْلَمَةٍ حَتَّى أَقُصُّهُ مِنْهُ ] « 1 » . وهكذا كان في دعوة الملائكة حفظ المؤمنين من سيئاتهم في ذلك اليوم الذي تتجسد فيه السيئات . وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ والوقاية هنا بمعنى الحفظ ، وإنما يتقي البشر آثار السيئات في الآخرة عندما ينتصر على نفسه في الدنيا ويتجاوز الأهواء والشهوات السلبية . وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إن الوصول إلى النجاة من النار ودخول الجنة غاية عظيمة ، وعمل صعب ، وعلى الإنسان المؤمن أن يعقد عزمه ويشحذ إرادته من أجل تحقيقها ، إذ كلما كان الهدف عظيما يجب أن تكون الإرادة عظيمة بقدره . [ 10 ] هذا عن علاقة الملائكة بالمؤمنين . أما علاقتهم بالكافرين فهي سلبية وتتسم بالدعاء عليهم والتشمت بهم . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ تناديهم الملائكة وكل الطبيعة المفطورة على الحق الذي خالفه هؤلاء . . لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ إن الله يريد الخير لعباده وما خلقهم إلا ليرحمهم . أما إذا رفضوا الإيمان به والاستجابة لدعوته ، وبالتالي أهانوا أنفسهم وأذلوها بالكفر ، فإنه سوف يهينهم أضعافا مضاعفة على إهانتهم لأنفسهم ، بإبعادهم عن رحمته ، وإدخالهم العذاب . والإنسان يهين نفسه ولا يحترمها حينما يحتقر الحق ويرفض الاستجابة له . ذلك أن لا قيمة للإنسان إلا بقربه من الحق وتجسيده له في حياته . [ 11 ] وفي جواب الكفار للنداء بشدة مقت الله لهم : قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ونتساءل : متى كانت الموتتان ؟ !
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين : ج 4 ص 516 ، بحار الأنوار : ج 7 ص 78 .