أولًا : إن عليهم الإنابة إلى الله في كل حين ، فكلما هزمتك ضغوط السلطة الفاسدة نفسيا ، ومِلْتَ إليها أو خضعت لقوانينها ، أو مالأتها خشية بطشها أو رغبة عطائها فلا بد أن تعود إلى طهرك ، وتتوب إلى الله متابا ، لتكون لك البشرى على لسان نبيك المرسل ، إذن ها هنا أمر عام بالاجتناب . وعن أبي جعفر عليه السلام قال :
( مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ )
« 1 » .
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى ويدخلك الله في حصن عبوديته . فَبَشِّرْ عِبَادِ .
[ 18 ] لا يفرض الطاغوت على الناس هيمنته حتى ينشر بينهم فلسفته ، فهو كمدخنة كبيرة تنفث دائما تيارا من الدخان الأسود فتلوث الأجواء .
إن أجهزة إعلامه السلطوية تبث بين الناس الأفكار الشركية التي تبعدهم عن ربهم ، وتشيع فيهم أفكارا باطلة تسلبهم ثقتهم بأنفسهم ، وتفرق كلمتهم وتضعهم في هالة من الأمنيات ، وتشيع فيهم أنه مرهوب الجانب ، وقراراته صائبة ، وهو رجل إلهي مقدس . كما أنها تبث فيهم العصبيات العرقية والقبلية والقومية ، وتحمد إليهم أصنام التراث وأنصاب المصالح المادية . وحول الطاغوت يتحلق طائفة من تجار الدين والعلم ، يوحون إليه بالمكر ، ويزينون له باطله ، ويلمعون للناس وجهه .
ثانياً : وهكذا يصبح التخلص من دائرة نفوذ الطاغوت عملا عسيرا يحتاج إلى همة واجتهاد ، ولعل هذا ما تشير إليه كلمة اجْتَنَبُوا في الآية السابقة ، التي تتخصص في هذه الآية باجتناب الثقافة الطاغوتية إذ يقول ربنا : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وهكذا يصف الذين تجانبوا الطاغوت وتأثيراته الشركية بأنهم لا يتبعون أي قول بل يستمعون بوعي ثم ينتخبون أحسنه وفق معايير الوحي والعقل .
ولكن كيف يتم ذلك ؟
أولًا : إن عباد الله يتعاملون مع القول الذي يعبر عن الفكرة باهتمام منهم ، لا يسمعونه بل يستمعون إليه ، وفرق بينهما كبير ، فالسماع لا اهتمام فيه بعكس الاستماع ، وهكذا جاء في الحديث :
( قَالَ المَسِيحُ عليه السلام خُذُوا الحَقَّ مِنْ أَهْلِ البَاطِلِ وَلَا تَأْخُذُوا البَاطِلَ مِنْ أَهْلِ الحَقِّ كُونُوا نُقَّادَ الكَلَامِ فَكَمْ مِنْ ضَلَالَةٍ زُخْرِفَتْ بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ الله )
« 2 » .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 1 ص 434 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 2 ص 96 .