[ 13 ] قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهذا بالغ ذروة الإنذار حيث يخشى رسول الله عذابا عظيما فكيف بنا .
[ 14 - 15 ] قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ أما أنا فأعبد الله مخلصا له ديني ، فاعبدوا ما شئتم . هكذا يتحدى الرسول بأمر الله أولئك الجاهليين الذين اتخذوا أهواءهم آلهة فعبدوا ما شاؤوا ، وهذا هو خلاصة الإخلاص وصفوة التوحيد ، وحين يبلغ المرء هذا المستوى الأرفع من الإخلاص لا يخشى أحدا ولا يخضع لشيء فإنه :
أولًا : يضمن حريته التامة ، واستقلاله الشامل ، لأن الأعداء لن يجدوا فيه ثغرة يستعبدونه من خلالها ، فلا المال والجاه والثناء يغريه ولا السجن والتهجير والإعدام يخيفه .
ثانياً : إنه يضمن استقامته على الطريق دون تعب ، لأن النفس يؤلمها مخالفة الناس ، وملامتهم وجراحات ألسنتهم ، أما هو فقد تعالى بإذن الله عن لومة اللائمين ، ولدغات الجاهلين .
ثالثاً : لا يكون شنآنه وبراءته من الناس بعصبية أو ضغينة ، بل لفرط حبه لله وحبه للناس فهو يستقبل من يؤوب إلى الحق بترحاب ، وهكذا لا يستمرئ الاعتزال ، ولا يجعل بينه وبين الناس حجابا من الكبرياء والعصبية .
قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ نعم . يخسر الإنسان في ذلك اليوم كل شيء ، نفسه حيث لا يتمتع شيئا ، ويخسر أهليه فلن يراهم في ذلك اليوم إذا كانوا مؤمنين ، ويحرم من شفاعتهم ، لأنه لا تنفع الشفاعة إلا لمن ارتضى ، وإن كانوا معه في جهنم ، فلكل امرئ منهم شأن يغنيه ، ويا لها من خسارة كبرى .
[ 16 ] وبعد ذلك يبيِّن الله لنا عذاب أولئك الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ، إنهم يعيشون في ظلل النار في أسفل طبقاتها ، ولعل في هذه إشارة إلى ما في الدنيا فما في الآخرة تجسيد للدنيا ، فقد كانوا واقعين تحت الحجب ، من حجب الشهوات ، إلى حجب الثقافة الجاهلية ، والخضوع للطاغوت . لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ إنه محاط من فوقه ومن أسفل منه بالنار ، وربما كان قوله : وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ دلالة على أن هناك من هم أسفل منهم في النار مثل أصحاب التابوت وغيرهم . ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ اتقوا عذابي وغضبي ، وتجيب الآيات التاليات كيف نجتنب غضبه .
من هدى القرآن — صفحة 150
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٠