تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
باء : إنهم يمارسون التعقل والتفكر ليعرفوا أحسن الحديث ، وبذلك يميزون بين الرديء والجيد وبين الحسن والأحسن ، فلا يكتفون بمعرفة الجيد بل يسعون لمعرفة الأحسن وفق قيم العقل والوحي ، ذلك أن أحسن القول هو الأصلح لدنياهم حسب هدى العقل والأنفع لأخراهم حسب هدى الوحي . جيم : فإذا عرفوا الأحسن اتبعوه ، ولم يبحثوا عن العلم للعلم بل للعمل ، ولم يتعلموا العلم لينقلوه إلى غيرهم بل ليعملوا به أولا . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ إنهما حجتان في حجة ، حجة الوحي وحجة العقل ، وهما تجليان لنور الله ، الذي أودعه بقدر في ضمير كل بشر ، وأنزله بهيا عبر رسالاته ، وقد تجلى هذا النور في ضمير هؤلاء لأنهم اتبعوا أحسن القول ، وهكذا هدى الله يتنزل على قلب من يسعى إليه ويتبعه ، أولم يقل ربنا سبحانه : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [ العنكبوت : 69 ] . وباطل أمنية أولئك الذين ينتظرون الهدى من دون سعي وجهاد . وأستوحي من الآية فكرة أعَدُّها مفتاحا لغيب الكتاب الحكيم ، وهي : أن كل كتاب ربنا حسن ، إلا أن الناس يختلفون في مدى الانتفاع به ، فبعضه بالنسبة إلى البعض أحسن من غيره لحاجته الملحة إليه ، ومثل القرآن مثل أنواع الطعام متشابه في فائدته وروعته ولذته إلا أن الناس يختلفون في انتفاعهم به . فمثلا : آيات الجهاد تتجلى في عصر التحديات أكثر من آيات الصبر ، بينما تتجلى آيات الإنفاق للأغنياء بقدر تجلي آيات العفاف للفقراء . ومعرفة الظروف الاجتماعية والشخصية تكون بالعقل ، فهو ليس دليلا مستقلا بين الأدلة الشرعية بالإضافة إلى الكتاب والسنة والإجماع ، بل هو النور الذي يعرف به الكتاب ، وبه نميِّز السنَّة ، وبه نثق بالإجماع ، فلولا العقل كيف نهتدي إلى معاني الكتاب ، وكيف نصدق أو نكذب بالرواة الذين نقلوا إلينا السنَّة ، وكيف يعكس الإجماع لنا السنَّة ؟ [ 19 ] وبعكس المؤمنين ، فإن غيرهم حين استسلم لضلالة الطاغوت حقت عليه كلمة العذاب حين أضله الله ، وسلبه هدى عقله بعد أن أساء التصرف معه . أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ وأضله الله وألزمه التيه لأنه لم ينتفع بعقله ولم يتبع هدى ربه . أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ إنه لا يتخلص من النار أبدا ، لأن وسيلته الوحيدة للإنقاذ رحمة الله وهو محروم منها . [ 20 ] ذلك كان جزاء الذين اتبعوا الطاغوت . أما الذين اتقوا في الدنيا فهم يحبرون في الجنة . لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ وهي البيوت المرتفعة . مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مما يشبه العمارات المبنية بإتقان ذات طوابق عديدة مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ والذي يضمن هذا
من هدى القرآن — صفحة 154 | السيد محمد تقي المدرسي