تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
بالسجود له عليه السلام . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وقد اتصل الأمر بالسجود بحالة التسوية ونفخ الروح عند البشر ، وهي حسب الظاهر كمال الخلق مما يوحي بأن سجود الملائكة ( الذي يدل - ضمنا - على تسخير الطبيعة الموكل بها ملائكة الله ) « 1 » يتعلق بكمال الإنسان ، فكلما رقى البشر معارج العلم والإرادة والإيمان والتقوى سخرت له الخليقة أكثر فأكثر . أرأيت كيف سخر الله لداود الجبال والطير ولسليمان الريح ؟ ويوحي نفخ الروح من الله في الإنسان وقبل السجود له تخصص البشر بميزات لا توجد في سائر الأحياء ، ويبدو أن الروح هنا هي العقل الذي قال عنه ربنا سبحانه في آية أخرى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ وهكذا أسس ربنا في حياة البشر مبدأ السجود لله عبر الخضوع والتسليم لخلفائه في الأرض ، وهؤلاء الملائكة وهم من أعز خلق الله أسجدهم لمن نفخ فيه من روحه وجعله خليفته في الأرض . [ 73 ] وحيث أمر الله بالسجود لآدم استجاب جميع الملائكة إيمانا منهم بوجوب التسليم المطلق له - عز وجل - وأن أي اجتهاد أو قياس مقابل أمره باطل ولا يرفع المسؤولية عن صاحبه . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ وكان يكفي أن تنتهي الآية إلى هذا الحد لتبين المطلوب ، ولكن ربنا أضاف تأكيدا لذلك قائلا : أَجْمَعُونَ وإنما كانت عظمة الملائكة بخضوعهم لله ولمن أمر الله بالخضوع له . [ 74 ] ثم استثنى ربنا من الساجدين إبليس الذي استكبر واستبدت به العزة والكبرياء ، وهو استثناء منقطع ، فشق عصا الطاعة . إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ لقد كان إبليس يسجد لله سجدات طويلة لعل بعضها يمتد أربعة آلاف عام ، وقد اقترح على الله بأن يسجد له سجدة مطولة بدل سجوده لحظات لآدم ، فرفض طلبه . لماذا هذا الاقتراح ؟ ولماذا الرفض ؟ أولًا : السجود لآدم بأمر الله - ذلك الطين اللازب الذي يحتقره إبليس - هو معيار الخضوع لله وليس مجرد الوقوع على الأرض باسم السجود لله ، ولعل صاحبه يكرس ذاتياته بذلك ، وإنما يفعل ما يفعل رياء ، ولا يزيده إلا عجبا . وهكذا نحن البشر لا تنفعنا عامة الصلاة والصيام إن لم نسلم لمن أمر الله بالتسليم له من خلفائه في الأرض ، وهكذا كانت الولاية سنام الدين ، وعمود الشريعة ، وأعظم ما في ميزان العبد يوم القيامة لأنها في الحقيقة هي التوحيد
هامش
( 1 ) راجع تفسير سورة البقرة آية : 34 .