على الطريق .
وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ما يحتاجه الإنسان لبلوغ التكامل القوة والرؤية ، فبقوته يحقق ما يراه . ويبدو أن ظاهر الآية يدل على وجود الأيدي ( القوة ) عند الأنبياء والأبصار ( الرؤية ) إلا أن باطنها القوة في الإيمان ، والبصيرة في الدين ، وهكذا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام قال :
( أُولي القُوَّةِ فِي العِبَادَةِ وَالبَصَرِ فِيْهَا )
« 1 » .
والجدير بالملاحظة أن ربنا اكتفى هنا بالدعوة إلى تذكر هؤلاء العظماء ، دون أن يعرض لنا مشاهد من حياتهم نعتبر بها ، وهكذا في موارد كثيرة من القرآن ، وذلك لأسباب :
الأول : أن مجرد تذكر الرسالي بأنه ينتمي إلى خط فيه هؤلاء العظماء الذين أسسوا تأريخ المجد للبشرية ، هو أمر مفيد جدا ، يعطيه الإيمان والثقة والاستقامة بالرغم من كل العوامل والظروف المضادة ، إذ لا يشعر وهو يعاني من الرفض والحرب بشتى صورها بالضعف والوحدة ، وهو يشعر بانتمائه إلى هذا الخط ، وإلى هذا التأريخ العظيم .
الثاني : أن القرآن وحدة واحدة ، ويكمل بعضه بعضا ، فيمكن لقارئه أن يجد في سورة الصافات تفصيل ما أشارت إليه سورة محمد صلى الله عليه وآله ، وهكذا بالنسبة لسائر السور مع بعضها ، وعلينا ألا نكون من الذين اتخذوا القرآن عضين ، فصارت نظرتهم إليه نظرة تجزيئية ، بل نسعى لمعرفة آيات القرآن من خلال نظر شمولي إليها جميعا .
[ 46 ] ثم إن القرآن عرض أهم ما يستفاد من حياتهم ، لكي يؤكد بأن القصص التي يوردها ليست للتسلية أو مجرد زيادة المعرفة بالتأريخ إنما هي للتعلم والموعظة . يقول تعالى عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب : إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ حينما يقرأ الإنسان أو يسمع عن حياة العظماء ، أول ما يجب أن يتطلع إلى معرفته هو سر عظمتهم ، لا لكي يعرف وحسب بل لكي يأخذ بأسباب العظمة أيضا ، وسبب عظمة هؤلاء ورفعة شأنهم ، هو الإيمان الخالص بالآخرة وتذكرها ، الذي كان يزيدهم بعدا عن المعصية وقربا إلى الطاعة . أوليس ربنا يقول في سورة الممتحنة : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ ثم تتواصل الآيات إلى قوله تعالى : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ الممتحنة : 3 - 6 ] . إن العوامل الأخرى لم تتدخل في صياغة شخصية هؤلاء ، إنما بقي ذكر الآخرة وحده خالصا هو الذي يؤثر فيهم ، فحينما آمنوا بالله تعالى ، وتحملوا
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 242 .