تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
كُلِّ شَيْ ءٍ مِنْهُ ولَمْ يُسَلَّطْ عَلَى عَقْلِهِ تُرِكَ لَهُ لِيُوَحِّدَ اللهَ بِهِ ) « 1 » . والقرآن في هذه السورة يدعو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وكل مؤمن يسير في خطه إلى تذكر تلك الأحداث والمواقف من تاريخ الرسل والرسالات ، وأن تكون حاضرة في ذهنه أبدا ليستعين بذكرها على مواجهة مصاعب الحياة ومشاكلها من أجل الاستقامة في طريق ذات الشوكة . وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ الذي كان في نعيم من الدنيا ، ثم انتقل منه إلى الفقر والمرض ، لكنه استقام بعبوديته لله ولم يكفر ، لأنه كأي مؤمن مخلص ينظر للحياة بنور الله ، فهو لا يضره إن فقد كل نعيمها وبقي له الإيمان ، كما لا يجد لها طعما لو جمعت له لذاتها ولكنه فقد جذوة الإيمان من قلبه وعمله . وقد تجلت عبودية أيوب عليه السلام في الغنى بشكره ، وفي الفقر بصبره واستقامته . إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ أي اذكر من حياة أيوب هذا الموقف العظيم حين دعا ربه في الضراء ، وهذا الموقف عظيم لأن من الصعب على الإنسان وهو تتوارد عليه الضغوط والمشاكل من كل جانب أن يخلص توجهه إلى ربه الأحد ، فهو حينما يجد مس الفقر والجوع ربما يعتقد بأن الغني أو الحاكم هو الذي ينقذه من هذه الورطة ، وحينما يحوطه المرض غالبا ما يتصور بأن علاجه عند الطبيب لا بسببه ، وهكذا يقع في الشرك ، لكن أيوب تجاوز كل ذلك وحافظ على إيمانه وتوحيده الخالص . [ 42 ] ولم يكن البلاء الذي تعرض له أيوب بسبب ذنب عمله ، فهو معصوم مطهر عن المعصية ، وما أراد الله من ابتلائه : ( إِلَّا رَحْمَةً لِيُعَظِّمَ لَهُ الثَّوَابَ وَجَعَلَهُ عِبْرَةً لِلصَّابِرِينَ وَذِكْرَى لِلعَابِدِينَ في كُلِّ بَلَاءٍ نَزَلَ لَيَأْنَسُوا بِهِ بِالصَّبْرِ وَرَجَاءِ الثَّوَابِ ) « 2 » . فلما أتم الله الابتلاء واظهر صدق نبيه ومعدنه رفعه عنه ، وعوضه عما فقده بما هو خير منه ليعرفنا ربنا بأن العاقبة للمتقين الصابرين . ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ قال الإمام الرضا عليه السلام : ( فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنٌ فَدَخَلَ فِيْهَا فَاغْتَسَلَ فَأَذْهَبَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ كُلَّ مَا كَانَ بِهِ مِنَ البَلَاءِ ) « 3 » . [ 43 ] وبالإضافة إلى إشفائه من الأمراض والعلل التي لحقت بجسمه ، رد الله عليه ما فقد من الأهل سواء الأبناء أو الأقرباء . وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أي تضاعفوا فإذا كانوا عشرين صاروا أربعين ، وقد حملت هذه الآية على عدة تفاسير : الأول : أن أهله ماتوا فأحياهم الله ، وأضاف إليهم مثلهم .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 256 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 12 ص 360 . ( 3 ) المصدر السابق : ص 366 .