الثاني : أن الله عوضه عمن مات من أهله ببنين وبنات آخرين .
الثالث : أن أهله تفرقوا عنه لما أصابه من بلاء ، فجمعهم الله له وعطف قلوبهم عليه .
ولكن الروايات أكثر ما تؤكد على الرأي الأول ، ومنها قول الإمام الصادق عليه السلام في تفسير الآية :
( فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ الذيِّنَ مَاتُوا قَبْلَ الَبلِيَّةِ وَرَدَّ عَليِّهِ أَهْلَهُ الذيِّنَ ماتُوا بَعْدَ مَا أَصَابَهمُ الَبلَاء كُلَّهُم أَحْيَاهُمُ اللهُ تَعَالى لَهُ فَعَاشُوا مَعَهُ )
« 1 » .
وبعد هذا البيان يصف الله رفعه البلاء عن نبيه بأنه ذو فائدتين :
الأولى : تعود على أيوب ذاته ، وقد سمّاها رحمة فقال : رَحْمَةً مِنَّا لأيوب ، وقد تمثلت هذه الرحمة في شفائه من المرض ورد ما فقده عليه .
الثانية : تعود على عموم الرساليين والمتعقلين ، وتتمثل في العبر والدروس التي خلفتها القصة .
وَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ وأهم درس يستفاد من هذه الآيات ، هو أن لا ننهزم أمام مشاكل الحياة وضغوطها ، فإذا ما بقي الإنسان قويا في نفسه ، مقاوما للآثار النفسية والروحية للأزمات والمشاكل ، فإنه لن يتأثر بها . وحتى يتمكن من ذلك يجب أن تكون علاقته بالحياة وما فيها قائمة على أساس أنها وسيلة ، لا علاقة شيئية باعتبارها هدفا بذاتها ، وأنه إذا لم يصل إلى أهدافه وطموحاته من طريق ما ، فسوف يحصل عليها عن طريق آخر . فإذا خسر وسيلته أو فشل فيها فليبق على أهدافه وإرادته ، لأنه بجهده وتحركه واستقامته قد يحصل على ما هو أفضل مما فقده ، أو فشل المرات الماضية في تحقيقه والوصول إليه ، هذا إذا نظر للهزائم والنكسات التي تمر عليه في الحياة نظرة موضوعية ، فهي حينئذ ستزيده قوة ومناعة ضد الهزائم ، وإصرارا على تسخير الحياة بصورة أفضل ، وعلى ضوء التجارب الماضية .
وهذا أيوب عليه السلام يزداد إصرارا على خطه في الحياة ، كلما تفاقم بلاؤه ، دون أن يستجيب إلى وساوس الشيطان ، التي كانت تستهدف إضعاف إرادته والنيل من إيمانه وتقواه .
[ 44 ] وحينما حلف أن يضرب زوجه الوفية مئة جلدة ، أمره الله أن يجمع في يده مئة شمراخ من عذوق النخل ، ويضربها ضربة واحدة . ليرفع عنه حرج الحلف بالله من جهة ، وحتى لا تتأذى زوجه من جهة أخرى . وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ يقول الإمام الصادق عليه السلام :
( فَأَخَذَ مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَضَرَبَهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةٍ فَخَرَجَ مِنْ يَمِيْنِهِ )
« 2 » .
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ص 241 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 12 ص 344 .