النعم التي ينبغي أن لا تستعبد البشر ، فلا يستبد به الغرور إذا رزق منها شيئا ، ولا يقتله اليأس إذا زويت عنه .
وما تلتقي فيه قصة سليمان وأيوب عليهما السلام ، أنهما يهدياننا إلى تجسيد للنفس الربانية التي لا تبطر بالنعمة والملك كنفس سليمان ، ولا تيأس إذا فقدت متع الدنيا كنفس أيوب عليهما السلام . وبالرغم من أن هذين المثلين من حياة شخصيتين إلا إنهما - في الواقع - شخصية واحدة ، حيث المؤمن هو الذي يتعالى على زينة الدنيا متطلعا إلى رضوان ربه ، فيشكر حينما يظفر بها ، ويصبر حينما تفوته .
لقد كان أيوب ذا مال وأهل كثير وسمعة طيبة بين الناس ، وهو يُسخرِّ كل ذلك من أجل عمل الصالحات ، فإذا به يفقد ماله وأهله ، ويصاب في جسده بمرض فتركه كل من حوله ، ولم تبق معه إلا زوجته الوفية رحمة بنت يوسف بن يعقوب عليهم السلام ، والتي ضربت مثلا في الصبر مع زوجها والوفاء له ، إذ كانت تعمل في البيوت وتخدم الناس لتأتي له بالطعام والشراب .
إلا أنه عليه السلام بقي صابرا شاكرا لله على النعمة ، وما زاده الابتلاء إلا صبرا ، ورجاء للفضل في الدنيا والآخرة . وهكذا يكون المتقون كما وصفهم سيدهم علي عليه السلام فقال :
( نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي البَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ )
« 1 » . ولعل السبب في ثبات شخصية المتقين واستقامتها أنهم يستمدون مقوماتها من الرسالة الإلهية الثابتة لا من الظروف والعوامل المادية المتغيرة .
أما زوجة أيوب عليه السلام الوفية - والتي لم تكن بعصمة الأنبياء مع مكانتها وإيمانها فقد جاء لها إبليس متمثلا في هيئة البشر ، وقال لها إنني طبيب ماهر وأستطيع أن أداوي زوجك ولكن بشرط واحد ، هو أن يقول لي بعد شفائه إنني شافيته ، فقبلت حبا في زوجها النبي ، فجاءت مسرعة وأخبرت أيوب بالأمر فغضب عليها ، وحلف يمينا أن يضربها مئة جلدة .
وهكذا أتم أيوب امتحانه ودعا ربه فاستجاب له ، وخفف عن زوجه حين أمره بأن يأخذ ضغثا ويضربها به وأعاد عليه أهله وماله ومكانته وأبقى ذكره لنا منارا وهدى .
بينات من الآيات :
[ 41 ] يمكن للشيطان أن يمس الإنسان بالسوء في جانبي الحياة ( المعنوي والمادي ) ولكن ذلك لا يكون بالجبر والإكراه ، لأن البشر حر ومختار ، إنما يضغط عليه وقد يمسه من ذلك شيء من التعب والألم . وإذا تحدى الإنسان ذلك واستقام رغم المشقة فإنه ينتصر على إبليس
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة : 193 .